قوانين الإعلام العربية في مواجهة التحديات التكنولوجية

الاثنين 2014/12/29

من حسن حظ الإعلام ومن سوء حظ المشرّع، أن تطوّر وسائل الإعلام والاتصال ارتبط منذ القدم بالتقدّم التقني والتكنولوجي، فلم يكن ممكنا أن تشهد عملية النشر نجاحا باهرا في القرن 15 ميلادي في أوروبا، لولا ظهور مطبعة الألماني غوتنبرغ بتقنياتها الحديثة آنذاك، وما ساهمت من خلاله في نشر واسع للفكر والمعرفة في عصر النهضة.

ولم يكن كذلك ممكنا للصوت والصورة أن يصلا عبر الإذاعة والتلفزيون إلى المستمع أو إلى المشاهد لولا اختراع التلغراف في القرن التاسع عشر، وما لحقه من تجارب للإيطالي ماركوني في بداية القرن العشرين حول استخدام الموجات اللاسلكية، وما تلاه أيضا من اختراعات لإيصال الصوت والصورة عبر الأقمار الصناعية.

وأخيرا لم يكن ممكنا لظهور القرية الكونية الإعلامية التي نعيشها اليوم، لولا قصة نجاح الإنترنت التي جعلت من اندماج وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة وسرعة انتشارها، وتفاعلها الآني مع الجمهور، السمة الأساسية لإعلام القرن الحادي والعشرين.

وفي كل مرّة تظهر تقنية، تتعدّد وسائل النشر والاتصال ويتطور عمل المؤسسات الإعلامية، لكن في الجهة الأخرى تضع هذه الوضعيات الجديدة المشرّع أمام تحديات صعبة، تتطلب منه تحديث القوانين المرتبطة بتنظيم عمل وسائل الإعلام والاتصال دون المس من الحق في حرية الرأي والتعبير، كمبدأ أساسي اتفقت عليه جميع المواثيق والدساتير.

ورغم أن الوضعيات تختلف من منطقة إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد، إلاّ أن تحقيق هذه المعادلة تبدو صعبة، نظرا إلى الاختفاء التدريجي للحدود بين كل ما هو فردي وما هو مؤسسي، وكذلك بسبب إعادة النظر في أكبر أدوات التأثير وقنوات تشكيل الرأي العام داخل المجتمع.

إن حيرة المشرّع في إيجاد المقاربة السليمة في مجال تنظيم وسائل الإعلام والاتصال داخل المجتمع، بشكل يضمن حرية الرأي والتعبير من جهة، ويفرض ضوابط وقوانين تحمي المجتمع من جهة ثانية، أصبحت مسألة لا تُؤرّق الدول العربية فحسب، بل حتّى أعتى الديمقراطيات. كما أن فلسفة المنع أمر أكل عليه الدهر وشرب، وحلُّ مؤقت ولّى دون رجعة مهما ارتفعت الأصوات بشأنه.

تعتمد الديمقراطيات الغربية، رغم اختلافاتها ورغم قدم قوانينها وتشريعاتها، على مبدأ الحرية والانفتاح وعدم المنع في مجال النشر والصحافة والإعلام كعنصر أساسي من عناصر حماية الديمقراطية، ولا تتدخّل السلطة السياسية أو القضائية إلاّ في الحالات القصوى التي من شأنها أن تمس بالسلم والأمن الأهليين.

كما ارتأت الديمقراطيات الغربية أيضا ومنذ عقود إيلاء تنظيم قطاع الإعلام والاتصال وتطبيق القوانين والتشريعات بشأنه إلى هيئات ناظمة مستقلة، من شأنها أن تبعد كل الشبهات عن تعسّف السلطة التنفيذية إزاء حرية الرأي والتعبير.

أمّا البلدان العربية، فيتّسم معظمها بوجود قوانين أو تشريعات إعلامية صارمة وقديمة، لا تتماشى مع التطورات التكنولوجية ولا مع التطورات السياسية في العالم، كما أنها تضع معظم هذه البلدان ضمن موقف ضعيف أمام النقد المتواصل للمنظمات الدولية والحقوقية التي وجدت في عدم انفتاح القوانين والتشريعات العربية والممارسات المرتبطة بها، “زادها” اليومي، تضرب من خلاله هذه البلدان، دون أن تكون هذه الأخيرة قادرة على مواجهتها، لضعف حجّتها.

إن تطور تكنولوجيا الإنترنت وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وما توفره من فرص للنشر والبث المرئي والمسموع المباشر، أصبحت حقيقة لا رجعة فيها، كما أن نسبة نفاذ السكان إلى شبكة الإنترنت، أصبحت مؤشرا من مؤشرات التنمية لدى منظمة الأمم المتحدة. ولم يعد هنالك مجال للدول سوى أن تَنْفتح وتُنظم قطاع الإعلام والاتصال طبقا لتشريعات مرنة تنصهر ضمن فلسفة الحرية واحترام الآخر. كما أن التباطؤ في معالجة الوضع، سوف يجعل قطاع الإعلام والاتصال مثل الرجل المريض الذي لا ينفع فيه الدواء بعدم انتفاء الداء.


أكاديمي وخبير إعلامي- مملكة البحرين

18