قوانين الفيزياء السياسية الكلاسيكية

الخميس 2014/01/02

لن أكون بكل هذا الفكر الفيزيائي السياسي، وسلاسة الطرح، إن لم يظهر لي “شعدون” من كتاب نظرية الفوضى لجيمس جليك James Gleick، وبالرغم من ظهوره في كتاب واحد إلا أن حدود معرفته تعدّت النظرية والكتاب وتخطتهما، ليتأرجح بي من سقوط التفاحة إلى سقوط بغداد، ويتنقل بي من صاحب القوانين الفيزيائية، إلى صاحب القوانين الماركسية، ويسترجع معي تدخل الفيزياء الفاضح في القضاء على الإنسانية، التي جعلت ألفريد نوبل يوصي بمعظم ثروته من اختراع الديناميت لجائزة تحمل اسمه، تكفيرا عن ذنب اختراعه.

تحدث شعدون: سأعود بك إلى اكتشاف نيوتن لقوانين الجاذبية، أو ما يعرف بقوانين الفيزياء الكلاسيكية التي تبحث في القوى المؤثرة على جسم (صلب، سائل، غازي) يقع في فضاء ثلاثي الأبعاد (طول، وعرض، وارتفاع)- بما فيها أجسام المجتمعات البشرية رباعية الأبعاد، المتأثرة بقوانين الجاذبية والإعلام معا- فقد صاغ نيوتن لتلك القوى قوانين تحدّد علاقاتها، وتسمح باستنتاج ما سيحصل بها أو بينها مستقبلا، بناء على معرفة الظروف الابتدائية للأحداث المتعلقة بها. وأنا أصغي إليه بأذن كبيرة، أكبر من بوق “البشتختة”، طرح على مسمعي التالي: القانون الأول لنيوتن: قانون القصور الذاتي، الذي ينص على أن الجسم يظل ساكنا، إذا لم تؤثر فيه قوّة خارجية، وهذا يجعلني أسألك: ما هي القوة الخارجية التي أثرت على شعوب دول الربيع العربي وجعلتها تشتعل؟ فلقد صمتت تلك الشعوب لعقود طويلة على الفقر والحرمان، فما الذي أيقظها من غفوتها؟

نظرت إليه قائلة: دعوة هيلاري كلنتون، وفورة مواقع التواصل الاجتماعي! اتسعت عيناه محدقا بي، ثم أكمل: ودورات التوعية الديمقراطية والثورية التي تبنتها العديد من الدول الغربية، ثم تابع:

القانون الثاني: إن تأثير قوّة أو مجموعة قوى على جسم ما تكسبه تسارعا يتناسب مع مجموع القوى المؤثرة فيه، وبناء على تعاون الدول الغربية أعلاه انتشرت النزعة الثورية بين شعوب دول الربيع العربي كالبرق، والسؤال: هل تنبهت حكومات الدول العربية إلى تأثير تلك القوى “الخارجية” قبل الثورات؟ هل رأتها وهي تشعل الفتيل؟ أم أنها رأت النار مشتعلة دون سابق إنذار؟

نظرت إليه مستغربة: تسألني أنا؟!

ابتسم وأكمل حديثه: أما القانون الثالث، وهو قانون نستخدمه يوميا بصراعاتنا الكلامية: لكل فعل ردّة فعل مساوية له في القوة، ومضادة له في الاتجاه. وهذا القانون هو الذي تحكم في ردود أفعال حكومات دول الربيع العربي، فالثورات التي كانت سلمية انتهت بسلمية إلى حدّ ما، والثورات التي صارت مسلحة، تحولت ثوراتها إلى حروب أهلية! والمشكلة ليست في ردود الأفعال الداخلية، بل في ردود الأفعال الخارجية، التي أثرت في الداخل، كما في “اعتصامات رابعة”، فلقد كانت قيادات الإخوان تستمدّ قوّتها من ردود الأفعال العالمية، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي، وأميركا التي بدت وكأنها متردّدة بين التنديد وقبول الأمر الواقع في فض الاعتصامات.

فسألته: وهل هي بالفعل كانت كذلك؟ أم أنها بموقفها ذاك كانت تقف وراء الضدّين، وتزيد من إشعال النار؟! صمت متأملا، وتنفس بعمق، وأنا أنظر لقفصه الصدري متسائلة: كيف لهذا النحاسي أن يتنفس مثلنا؟ قطع شرودي قائلا: يحاول الساسة التركيز على ثلاثة عناصر في السياسة الخارجية: إدراك الترابط بين أجزاء العملية السياسية لاتخاذ القرار الملائم، ثم الانفتاح الفكري ليتمّ حل أيّ حدث بحكمة وواقعية، وأخيرا تحقيق الأهداف بأفضل النتائج وأقل التكاليف. نظرت إليه مستدركة: هل أفهم مما تقول إن تدخل الغرب في العالم العربي، والخروج بثوراته الربيعية جاء نتيجة ثلاثية قوانين الفيزياء السياسية الكلاسيكة المركبة التي اخترعتها للتوّ؟!

أجاب: نعم، أولا: إدراك الغرب لمعاناة الشعوب العربية من حالة “القصور الذاتي”، جعلهم يحركونه من الخارج، مستعينين بحقيقة أن العرب ينجذبون بشدة “لحكمة الرجل الأبيض”! وثانيا: تعاون القوى الغربية جميعا أكسب الثورات تسارعا في انتشارها، ليحقق الغرب دمارا شاملا للبنى التحتية في تلك الدول دون تحريك ساكن يخصهم، لدرجة أن تكلفته عليهم أقل بكثير مما تكبدوه في العراق! والأمرّ أن سوريا دمرت بأيدي العرب والمسلمين والسوريين أنفسهم! وأخيرا، انفتاح الغرب الفكري هداهم لقانون نيوتن الثالث، فتحكموا بردة فعل فئة الشباب، من خلال تشجيعهم على التظاهر والاحتجاج و”العنف” أحيانا، ليس عن طريق ورش العمل -أعلاه- التي كانت تقام قبل الثورات لهذا الغرض فقط، بل عن طريق الجوائز العالمية التي حصلوا عليها أثناء الثورات من “اليمن” حتى “الصحراء”. تداركت: لكن هذه ليست سياسة إنها أقرب لجريمة اكتشاف الديناميت!!

أجاب: لا تنسي أن السياسة تعني معالجة الأمور وفقا لرؤية المعالج ومصلحته، وهم هنا ليسوا بالضرورة حريصين على رفع البؤس عن الشعوب العربية، أهدافهم المعلنة تقول أنهم يرومون للديمقراطية، لذلك هم حريصون على إنجاح ثورات الربيع العربي -في تونس على الأقل- ففشلها يعني فشلهم.

16