قوانين اللعبة الجديدة في العراق

الخميس 2014/06/26
نوري المالكي تبنى سياسة تجييش طائفي خطيرة في العراق

لندن – يرى الباحث البريطاني غاريث ستانسفيلد أن الأحداث الأخيرة في العراق فرضت قوانين جديدة للعبة الدائرة هناك. ويشاطر، في دراسة صدرت عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية، الكثير من الآراء التي ترى أن الأكراد أكثر المستفيدين من الوضع في البلاد الذي يهدّد بحرب طائفية كارثية.

الشعار الجديد الذي انتشر مؤخرا بين الزعماء الأكراد في العراق هو الآتي: “هناك عراق ما قبل الموصل، وعراق ما بعد الموصل”.

المعنى واضح، وبهذه الجملة عبر رئيس الوزراء نيجيرفان البارزاني أحسن تعبير عن رأيه. ومهما كانت التطورات المستقبلية للأحداث سواء بنجاح ثوّار العشائر في السيطرة على بغداد أو بتركيزهم على دعم تواجدهم في المدن التي خرجت عن سيطرة الحكومة إلى حد الآن أو بهزيمتها عن طريق تدخل أميركي إيراني لمعاضدة نوري المالكي، فالمؤكد أن قوانين اللعبة في السياسة العراقية ستتغير لا محالة.

في ظل هذا الوضع يرى الباحث البريطاني غاريث ستانسفيلد أن القوانين الجديدة لا يمكنها إلا أن تعترف بواقع الحياة السياسية في العراق المرتكزة على الأساس العرقي والطائفي.

لقد شهد العراق سياسات حكومة المالكي التي عمقت الفروق العرقية والطائفية في البلاد، كما شهدت وحشية تنظيم “داعش” وارتكابه أعمال تطرف طائفي بشكل واسع.

وهاهم الأكراد الآن يتحركون بسرعة لتعزيز إقليمهم والتحرك في اتجاه إعلان استقلالهم إن نجحت الأحدث الأخيرة في إسقاط الحكومة العراقية. وتحتاج القوى الغربية التفكير في كيف سيكون “عراق ما بعد الموصل” والإمكانية الواضحة لانقسام الدولة إلى ثلاثة كيانات.


أصول "داعش" والائتلاف السني


يتوقف ستانسفيلد عند نشأة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الذي يعرف اختصارا بـ”داعش”، مشيرا إلى أنه لم يظهر للعيان فجأة إذ يمكن تعقب تكوّن التنظيم إلى ظهور السلفية المتطرفة في العراق خلال الحرب الأهلية الطائفية الأولى في سنتي 2007 و2008.

غاريث ستانسفيلد: "قوانين اللعبة في السياسة العراقية ستتغير لا محالة"

عندها كان أبو مصعب الزرقاوي يتزعم الدولة الإسلامية في العراق، ذلك التنظيم ذو المقدرة والنجاعة العاليتين، وكان يعرف أيضا بقاعدة العراق لأنها قبلت أن تكون تحت إشراف زعماء القاعدة. وكان من قادة الدولة الإسلامية في العراق في ذلك الوقت ابراهيم البدري، ويعرف بأبي بكر البغدادي الذي صعد، بعد قضاء الجيش الأميركي على قادة التنظيم، إلى مرتبة الأمير.

ومن سنة 2008 لم تضمحل الدولة الإسلامية في العراق بل واصل منتموها العمل بطريقة متخفية ومحدودة نوعا ما على الأقل حتى مغادرة القوات الأميركية العراق في سنة 2011.

في هذه الفترة بدأ العرب السنة في العراق الذين كانوا قد قبلوا الوعود الأميركية للمالكي يدركون أن تلك الوعود جوفاء، فزيادة على إقصائهم من الحكومة أو الأجهزة الأمنية أصبحت معلوماتهم الشخصية بحوزة وكالات الأمن التابعة للدولة وأصبحوا مستهدفين باعتبارهم يمثلون تهديدا لأمن نظام نوري المالكــي.

وهكذا انقسم السنة العرب بين مجموعة تصالحت مع الحكومة العراقية ومجموعــة رافضــت المصــالحة مثل أبو بكر البغدادي وجــماعته.

ووفرت الانتفاضة السورية الفرصة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق المنهك لاستعادة قوته العسكرية، إلى جانب توفير التمويلات عبر استغلال الموارد النفطية السورية في دير الزور والحسكة والحصول على المزيد من المجندين من بين الجالية السنية العربية السورية.

تعلم أبو بكر البغدادي من أخطاء سلفه في قيادة التنظيم أبي مصعب الزرقاوي عبر النأي بتنظيم “داعش” عن القاعدة في 2013، وبذلك جعله أكثر جاذبية لدى السنة المعارضين للنظام لكن غير المستعدين للتعامل مع الأجانب التابعين للقاعدة.

زيادة على ذلك بقي أبو بكر عبارة عن لغز، فهو لا يحب الظهور أو الإدلاء بتصريحات للعموم مثل زعماء القاعدة الآخرين، بدلا عن ذلك امتدت الهالة المحيطة به إلى بعيد بفضل السرية الكبيرة التي تكتنفه.

الأكراد والتركمان:غريمان يقفان في جبهة واحدة
تازة خورماتو – ينهمك رجال في تثبيت أغطية من القماش على وجوههم، ثم يحملون أسلحتهم الرشاشة وقذائفهم الصاروخية، ويتوجهون إلى مواقعهم القتالية في منطقة تازة خورماتو التركمانية الشيعية في شمال العراق ليحموها من تقدّم الثوار.

ويطلق هؤلاء الرجال على أنفسهم اسم “قوات الصحوة”، في إشارة إلى القوات السنية التي تأسست عام 2006 وقاتلت ولا تزال عناصر تنظيم القاعدة والجماعات المتطرفة الأخرى خصوصا عندما كانت القوات الأميركية لا تزال منتشرة في العراق قبل أن تغادره في 2011.

ويقول قائد القوة عصام عباس: “في زمن القوات الأميركية حاربت قوات الصحوة الإرهابيين، ورجالنا هنا قاتلوا إلى جانبها”، مضيفا “القوة التي تقاتل اليوم مبنية على تلك القوات”.

وعباس، الذي كان يعمل تاجرا تحول منذ نحو عام إلى مقاتل بدوام كامل بعدما انضم إلى قوات تازة خورماتو الواقعة على بعد نحو 20 كلم إلى الجنوب من مدينة كركوك (240 كلم شمال بغداد).

ويقول سكان في تازة خورماتو إن هذه القوة المسلحة تشكلت في العام 2009 بعد انفجار شاحنة مفخخة في المنطقة قتل فيها العشرات، قبل أن يعود أفرادها إلى أعمالهم مع بداية انخفاض معدلات أعمال العنف.

لكن عناصر في القوة عادوا إلى مواقعهم القتالية مجددا قبل نحو عام مع ارتفاع معدلات الهجمات اليومية في البلاد من جديد، وزيادة الهجمات في المنطقة.

ولا توجد أرقام محددة لأعداد التركمان في العراق الذين يشكلون أقلية في البلاد ويتمركزون في مناطق تقع إلى الشمال من بغداد وبينهم سنة وشيعة.

وفي تازة خورماتو، تنتشر اللافتات الشيعية إلى جانب العلم التركماني بألوانه الزرقاء وهلاله ونجمته، ويقول العديد من السكان إنهم انضموا إلى المتطوعين للقتال بعد دعوة المرجعية الشيعية، الممثلة بالمرجع الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني، إلى حمل السلاح.

ويشرف المسلحون التركمان وقوات البيشمركة الكردية على دوريات أمنية تراقب الحدود بين منطقة تازة خورماتو وقرية بشير، معلنين أنهم يتعاونون بنسبة مئة بالمئة رغم التوترات القديمة بين التركمان والأكراد.

ويرى التركمان أن معظم أراضي المنطقة باتت اليوم تابعة، بحكم الأمر الواقع، لسلطات إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي ويشمل محافظات أربيل والسليمانية ودهوك، وقد بسط سيطرته مؤخرا على كركوك المتنازع عليها بعد انسحاب القوات الحكومية. ويقول مقاتل تركماني إن قوات البيشمركة “تأتي لتدعي أنها تحمينا، لكننا نعلم أنها تريد أن تسيطر على هذه المنطقة وأن تضمها إليها”.

بدوره، يقول مقاتل كردي مشتكيا من المسلحين التركمان “هم يريدون أن يدعوا بأنهم يقاتلون حتى لا يكون الأكراد في موقع السيطرة”. ورغم ذلك، يدرك التركمان جيدا أن عليهم الالتزام بتحالفهم مع الأكراد.


أحداث الموصل


مثّل خروج مدينة الموصل عن سيطرة الحكومة التي يقودها نوري المالكي، الحدث الأبرز منذ اندلاع ثورة العشائر الأخيرة في العراق، خاصة وأنها تعدّ من أكبر المدن العراقية وأهمها، وسيطرة المسلّحين عليها أثّر كثيرا في موقف رئيس الحكومة. وعلى عكس ما يروّج له أنصار الحكومة العراقية، لم يكن تنظيم “داعش” “بطل اجتياح الموصل”، بل العشائر السنّية التي توعدت في أحدث تصريح لها بالوصول إلى بغداد وإسقاط حكومة نوري المالكي خلال الأيام القليلة المقبلة.

وقال المتحدث باسم ثوار عشائر العراق أبو عبد النعيمي إن قوات العشائر السنية المعروفة بـ(ثوار العراق) “أنهت جميع التجهيزات اللازمة للهجوم على بغداد وتنظيف العاصمة من حكم المالكي”.

وكان رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته، نوري المالكي قد أعلن في تصريحات رفضه التنــحي أو تشكيل حكومة إنقاذ وطــني.

ومن المنتظر أن تتسبّب تصريحات المالكي تلك في تكثيف هجمات العشائر السنية على قوات المالكي خلال الأيام القليلة المقبلة.

وحسب سكان من الموصل سيطرت على المدينة ثلاثة تنظيمات متباينة: “داعش” وثوار العشائر العراقية، وجيش رجال الطريقة النقشبندية. وكان تأثير التنظيمين الأخيرين أن عدلوا من تأثير “داعش” الجهادي.


مكاسب الأكراد


العنصر الآخر المؤثّر في المعادلة العراقية، وفق غاريث ستانسفيلد، هو الأكراد، الذين يجمع المراقبون على أنهم أكثر مجموعة رابحة مما يجري في العراق اليوم.

تحرك الأكراد سريعا لحماية حدودهم من جهة وللتوسع داخل مناطق متنازع عليها فيها أغلبية كردية من السكان وخاصة منها كركوك.

وتمكنوا من التحرك بسرعة استثنائية على إثر دخول المسلحين مدينة الموصل وذلك بفضل جهوزية جيش البيشمركة. وعلى إثر هذه التحركات زاد الامتداد الجغرافي لإقليم كردستان بنسبة 40 بالمئة وضمت إلى الإقليم كل الأراضي التي كان الأكراد يطالبون بها سابقا، وكان البند 140 من دستور 2005 قد نص على حل للنزاعات الحدودية مع كردستان لكن الحكومة العراقية امتنعت عن تطبيقه. وضمت هذه الأراضي ما يسميه الأكراد “قلب كردستان” – مدينة كركوك – والقباب الثلاث المنتجة للنفط التابعة لحقل كركوك النفطي.

وهكذا في ظرف سويعات صار امتلاك كركوك الذي كان يبدو حلما بعيد المنال بالنسبة إلى الأكراد واقعا.

لكن في غمرة النشوة بتأمين كركوك يواجه الأكراد مشكلا مهما يتمثل في الحدود الممتدة على مسافة ألف كيلومتر مع المناطق الواقعة تحت سيطرة “داعش” أو البعثيين من جهة الجنوب.


ثلاث مناطق نفوذ في العراق


ما الذي يخبئه المستقبل؟، سؤال يطرحه غاريث ستانسفيلد، في ختام تحليله للوضع العراقي الجديد، ليجيب قائلا إن بعض التحليلات الأكاديمية ترى أنه مازالت هناك مساحات شاسعة من الاعتدال في العراق، وعلى القوى الغربية أن تدعم بروز برنامج سياسي غير طائفي في البلاد لتجنب ردة فعل المليشيات الشيعية.

وفي الوقت نفسه، على الأكراد التخلي عن خطابهم الإثني القومي والتضحية بما كسبوه من أجل المصلحة الكبرى للعراق- كيان يشعر الأكراد أنهم مجبرون على المشاركة فيه، عوض أن يكونوا شركاء بطوع إرادتهم. يتم التعبير عن هذه المواقف بصدق لكنها تبدو مبتذلة عندما تقابل بوحشية هجوم “داعش”، والسياسات المطردة التي يتبعها المالكي، والطموحات الجامحة لدى القادة الأكراد والشعب الكردي عامة.

وعوضا عن البحث عن إمكانيات التصالح، قد يكون أكثر عقلانية، بالنسبة إلى صانعي السياسات، الاتجاه نحو مستقبل توجد فيه ثلاث مناطق نفوذ في العراق (كردستان، ومنطقة تحت سيطرة “داعش” أو البعثيين أو العشائر، والجنوب الشيعي). ويبقى السؤال المطروح هو ماذا ستكون طبيعة العلاقة بين هذه المناطق؟

تبقى كردستان إلى حد الآن مستقرة وآمنة، لكن أمامها عمل كبير من أجل تأمين حدودها ضد “داعش” أو ضد حكومة المالكي “ما بعد الموصل” التي تسعى إلى فرض سلطتها من جديد على المناطق السنية والأراضي المتنازع عليها ويعتقد الأكراد أنها ملكهم. أما الوضع بين “داعش” والمناطق الشيعية فيبقى أقل وضوحا بكثير.

ويمكن بالطبع للمسلّحين أن يبقوا خارج بغداد لدعم سيطرتهم على الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالة وأجزاء من كركوك وزيادة قوتهم.

لكن هذه الفرضية تبدو مستبعدة، وهو ما من شأنه أن يتسبب في حرب أهلية طائفية بمقاييس كارثية بما أن بغداد الآن هي مركز عدة مليشيات شيعية خاصة في القطاع الشمالي الشرقي لمدينة الصدر.


باحث في المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية ومؤلف كتاب "العراق والشعب والتاريخ والسياسة"

7