قوانين الملكية الفكرية لا تتماشى مع الممارسات في المغرب

حقوق التأليف والملكية الفكرية وبراءة الاختراع وغيرها من الحقوق الثقافية والأدبية والفكرية تمثل حقلا قانونيا وسياسيا مستجدا بشكل أو بآخر خاصة في الدول العربية، ونظرا لذلك فإن عددا من الدول لا تزال سياساتها مرتبكة إزاء هذا الحقل، خاصة في المغرب. فقد أكد عبدالحكيم قرمان، رئيس الائتلاف المغربي للملكية الفكرية، في حواره مع “العرب” أن قطاع الكتابة والتأليف يعاني من إشكال رئيسي في البلاد، وهو المفارقة بين القوانين والتشريعات وممارسات السلطة تجاه هذه الحقوق وتجاه المؤلفين والمبدعين.
الجمعة 2016/05/27
المهمة الأولى إدخال النقاش إلى البرلمان

الرباط - بالرغم من وجود العديد من القوانين التي تؤطر مجال حقوق الكتابة والتأليف في المغرب، إلا أن إخلالات عديدة تهدد القطاع الثقافي الكبير في المغرب وتكشف عدم كفاءة الهيكل المهني المشرف على القطاع في وزارة الاتصال. وفي هذا السياق، يقول عبدالحكيم قرمان لـ”العرب”، إن الأزمة الخانقة التي يعيشها قطاع حقوق المؤلف والحقوق المجاورة بالمغرب لا تكمن فقط في الاختلالات متعددة الأبعاد التي يعرفها المكتب المغربي لحقوق المؤلفين، وهو الهيئة المكفول لها بموجب القانون السهر على الحماية والتدبير الجماعي للحقوق المادية والمعنوية للمبدعين وذوي الحقوق، بل هي فقط الوجه البارز لجبل الجليد العائم تحت الماء.

وهناك عوامل وأطراف أخرى تتحمل مسؤولية الأزمة الخانقة التي يعيشها القطاع، وبالتالي فإن هذا الخلل المؤسساتي والتدبيري ينعكس سلبا على أوضاع فئات عريضة من المبدعين وذوي الحقوق، وهو ما يثير غضبهم واستياءهم الكبير حاليا حول كيفية تدبير الأمور، وفي مقدمة هذه الاختلالات عجز السلطة الوصية (وزارة الاتصال) عن مباشرة الإصلاحات الجوهرية المطلوبة وارتكانها إلى الترويج للإصلاح والتبشير بالمنجزات، في غياب الإصلاح الملموس على أرض الواقع.

هذا بالإضافة إلى تواطؤ بعض المكونات المهنية المستفيدة بشكل ذاتي من المرحلة على حساب ذوي الحقوق وعلى حساب مصالح الوطن. “وأنا أطرح دائما في هذا الباب ثلاث فرضيات لمحاولة استكناه الخلفيات والرهانات المرتبطة بهذه الحالة المزرية لقطاع كان من الممكن أن يكون منتجا للقيمة المضافة ودعامة أساسية للتنمية الثقافية في مختلف تجلياتها”.

وأضاف قرمان، متحدثا عن أسباب هذه الإخلالات، “أنه نتيجة التخبط وغياب الفهم العميق والرؤية الموضوعية الكفيلة بإصلاح القطاع لما يعرض له من ‘معالجات’ ترقيعية ومجحفة أساءت للبلاد والعباد. فإنه من هذا المنطلق نؤكد على ضرورة وأهمية التعاطي مع شؤون الملكية الأدبية والفنية (حقوق التأليف والحقوق المجاورة) بما يلزم من الوضوح وتحمل الجميع لمسؤولياتهم السياسية والأدبية أمام التاريخ والوطن”.

عبدالحكيم قرمان: مشكل حماية الملكية الفكرية نتيجة للتخبط وغياب الفهم العميق لهذا الحق

الحلول الممكنة

وعن التصورات التي يمكن أن يستلهم منها الخبراء المهنيون في مجال حفظ حقوق التأليف والملكية الفكرية، يقول قرمان إنه وانطلاقا من الخبرة والتجربة المهنية “ورغبة منا في الائتلاف المغربي للملكية الفكرية في المساهمة الجادة والبناءة في بلورة استراتيجية وطنية للإصلاح والنهوض بهذا القطاع الحيوي، دعينا في المكتب الفيدرالي للائتلاف، الجهات الوصية والمعنية إلى تنظيم مناظرة وطنية للتداول والتحاور وبسط البدائل والمقترحات العلمية والعملية الكفيلة بالنهوض بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، تفضي إلى إرساء نموذج مغربي للتدبير الجماعي للحقوق المادية والمعنوية يراعي المعايير والمرجعيات الدولية المعمول بها كونيا”.

ونعتبر هذا الاقتراح الذي نادينا به وإليه منذ مدة طويلة، مدخلا وطنيا ومنطقيا لمعالجة الأزمة المفتعلة من طرف من استطابوا العبث والاستفادة من حالة التردي على حساب الوطن والمواطنين المبدعين. كما يندرج هذا الاقتراح في إطار مواصلة البرنامج التنظيمي والتواصلي الذي بلوره وأقره المجلس الوطني التأسيسي يوم 16 يناير 2016 وتم الشروع في إجرائه انطلاقا من المنتدى التواصلي الجهوي الأول بالقنيطرة يوم 30 يناير 2016، وتكريسا للبعد الوطني الديمقراطي والتشاركي الذي يعد ثابتا من الثوابت الفكرية والتدبيرية للائتلاف.

وأضاف رئيس الائتلاف المغربي للملكية الفكرية في حواره مع “العرب”، قائلا “نجدد من منبركم دعوتنا للقائمين على هذا القطاع، إلى تغليب مصلحة الوطن وصيانة صورته ومكتسباته الإيجابية، على كل المقاربات الفئوية والشخصية التي تحكمت وأضرت بالغ الضرر بالقطاع، نظرا إلى الأوضاع الصعبة التي يجتازها قطاع حقوق التأليف والحقوق المجاورة ببلادنا منذ سنين عديدة، وما آلت إليه أوضاع الفنانين والمؤلفين وذوي الحقوق من استفحال وترد غير مسبوق”.

مسؤوليات السلطة

وعن سؤال الـ”العرب” المتعلق بما قدمته الجهات المسؤولة حتى يتسنى الخروج من أزمة غياب فعلي لحماية حقوق المؤلفين وذوي الحقوق المجاورة، يرى قرمان أن أي تقييم موضوعي لواقع حال الملكية الفكرية بالمغرب، يستدعي التمييز بين ثلاثة مستويات بارزة الخصوصية والدلالة وترتكز إلى المفارقة بين النصوص القانونية التي تنظم القطاع والممارسات الفعلية على أرض الواقع، حيث يوجد بون شاسع بين النظري والتطبيقي.

ويقول عبدالحكيم قرمان في هذا السياق “إذا نظرنا إلى الترسانة القانونية التي بات يتوفر عليها المغرب في هذا المجال، يمكن القول إن بلادنا قد قطعت أشواطا لا بأس بها على درب تكريس مفاهيم ومبادئ ومعايير المنظومة الكونية في مجال تنظيم حماية وتدبير حقوق الملكية الفكرية في مختلف أبعادها الأدبية والفنية والتجارية والصناعية والحقوق المجاورة وحقوق الملكية في الفضاء الرقمي كذلك، لكن عندما نتأمل البنية المؤسساتية المتوفرة في مجال حماية وتدبير هذا المجال، مجال الملكية الفكرية نظرا لشساعته وتشعبه وتعقيداته التدبيرية والإجرائية، نجد أن التباين واضح والخلل جلي بين المنظومة القانونية المتقدمة وخفوت أداء المؤسسات الرسمية الموكول إليها مهام الضبط والتنظيم والحماية واستخلاص وتوزيع الحقوق المادية والمعنوية لذويها بالشكل الصحيح والعادل”.

عبدالحكيم قرمان يرى أن تجربة المغرب في مجال الملكية الفكرية متميزة في محيطها المغاربي والإقليمي والقاري

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الحالة المغربية بحسب قرمان، إذ يقول “نجد صعوبة مثلا في إقناع المختصين الوطنيين والأجانب بكون القوانين المؤطرة للملكية الفكرية في بلادنا تتماشي مع أعلى المعايير المعتمدة دوليا، لكن التدبير الميداني تعوزه البنية المؤسساتية والخبرة المهنية والرؤية الشمولية والمقاربة المنهجية الكفيلة بإصلاح القطاع وتطوير أدائه وتحسين صورته ومردوديته”.

أما المستوى الثالث، فيمكننا بشأنه الإشارة إلى ضمور ثقافة احترام حقوق الملكية الفكرية، ومن هنا الحاجة إلى ضرورة إرساء مقاربة شمولية ثلاثية الأبعاد، أساسها التوعية والتحسيس والمواكبة الإعلامية لقضايا الملكية الفكرية، بالإضافة إلى دعم الأنشطة والتظاهرات الثقافية والتواصلية ذات الصلة بموضوع الملكية الفكرية وأهميها البالغة في حوكمة الصناعات الثقافية والفنية، مرورا بإدخال إصلاحات جذرية على البنيات المؤسساتية المكلفة بالتدبير الجماعي للحقوق المادية والمعنوية لذويها ومستحقيها الحقيقيين، وصولا إلى تطوير الدراسات الأكاديمية وتشجيع الأبحاث الجامعية عبر إحداث مسالك للتكوين في مجالات ومهن الملكية الفكرية عموما.

ويختم عبدالحكيم قرمان حواره مع “العرب” قائلا، إن تجربة المغرب في مجال الملكية الفكرية متميزة في محيطها المغاربي والإقليمي والقاري في الجانب المتصل بقطاع الملكية الصناعية والتجارية، وكذلك في جانبها المتصل بتوثيق وتصنيف وتسجيل جزء مهم من المعارف والمهارات الأصيلة في الثقافة المغربية، لكنها ضعيفة ومختلّة البناء والأداء في ما يتصل بالتدبير الجماعي لحقوق التأليف والحقوق المجاورة.

وبالنظر إلى التحولات التي شهدها العالم من خلال تنامي الإرادة الدولية لتعزيز وتطوير القوانين والمعايير الناجعة في مجال رعاية الملكية الفكرية عموما، وحماية حقوق المؤلفين والمبدعين عبر العالم، يمكن القول إن التشريع الوطني المغربي في ذلك الإبان شهد انطلاقة جديدة سوف تتلاحق محطاتها المتتالية بشكل أقوى وأبرز عبر عدة مراحل تاريخية مختلفة.

كاتب مغربي

12