قوانين لاغتصاب السلطة في لبنان

الخميس 2014/07/10

غالبا ما لا يجد البرلمان اللبناني وقتا كافيا لإصدار التشريعات، خصوصا ما يتعلق منها بالمصالح الملحة للمواطنين، ولكنه يتمكن بسهولة أن يلتئم بكامل هيئاته، وأن يصدر قانونا للتمديد لولايته في غضون دقائق.

تم انتخاب أعضاء البرلمان الحالي في لبنان في أيار عام 2009 بناء على قانون انتخابي يعود للعام 1960 والشهير بقانون الستين، بعد تعديله، أي تشويهه، من قبل البرلمان السابق والذي يعد البرلمان الحالي نسخة معدلة عنه.

لقد أعاد هؤلاء النواب اللبنانيون خمسين سنة إلى الوراء، وحققوا إرادتهم في إعادة إنتاج برلمانهم دون تعديل يذكر، بحيث جاء هذا القانون خطوة مركزية في تزوير إرادة الناخبين، إضافة إلى قضايا فساد انتخابي عديدة جعلت من انتخابات 2009 باعتراف الفائزين والخاسرين أسوأ انتخابات تمت في لبنان على الإطلاق.

وقد أعلن في حينه، أي بعد تلك الانتخابات، أن أولى مهمات البرلمان الجديد- القديم إقرار قانون جديد (وعصري) للانتخابات البرلمانية يفترض أن تجرى على أساسه الانتخابات اللاحقة بدءا من عام 2013. غير أن هذا البرلمان لم يتمكن من إقرار أي قانون انتخابي جديد طيلة السنوات الأربع من ولايته، فجاء موعد الانتخابات التالية صيف 2013 دون إقرار هذا القانون.

وبحجة عدم وجود قانون انتخابي جديد، وتذرعا بتوتر الأوضاع الإقليمية والأمنية (والتي لم تكن لتمنع إجراء أي انتخابات)، وبعد تعطيل المجلس النيابي لأشهر عديدة، التأم المجلس، وفي غضون دقائق أقر تمديد ولايته لسبعة عشر شهرا إضافية، على أن يكون إقرار قانون انتخابي جديد على رأس أولوياته.

قدمت الطعون بدستورية قانون التمديد أمام المجلس الدستوري، ولكن هذا المجلس مُنع من الانعقاد بالضغط والإكراه، إلى أن انقضت المهلة اللازمة للبتّ بالطعون، فأصبح القانون نافذا.

وها قد انقضت أربعة عشر شهرا من أصل الولاية الممددة، من دون أن يجد النواب حتى الآن وقتا كافيا لطرح أو مناقشة أي اقتراح لقانون انتخابي جديد، يمكن أن تُجرى انتخابات نيابية أوشك موعدُها، على أساسه.

لقد بات من شبه المؤكد أن قانونا لتمديدٍ ثانٍ لولاية مجلس النواب الحالي هو قيد الإعداد، وأن هناك إجماعا سياسيا وبرلمانيا على ذلك التمديد. ولن يأخذ هذا القانون أكثر من دقائق معدودات لإقراره، وبالتالي فإنه من المؤكد أن السادة النواب سيجدون الوقت الكافي لذلك.

«برلمان العطالة» في لبنان، الذي لا ينعقد إلا لِماماً، والذي امتنع حتى الآن عن انتخاب رئيس جديد للبلاد، ما أدى إلى شغور المنصب منذ 25 أيار الفائت، لم يجد الوقت الكافي لينهي دراسة مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب للموظفين وإقراره.

أكثر من ثلاث سنوات مرت على هذه المسألة التي شلت البلاد لشهور، ودراسة مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب لم تنته بعد. أحالته الحكومة إلى البرلمان منذ سبعة عشر شهرا، لاحظوا المصادفة، والبرلمان لا يزال يقلب هذا المشروع دون أن ينجز دراسته وإقراره، والموظفون يواصلون تحركاتهم ويشلون المرافق والإدارات، ويمتنعون عن تصحيح مسابقات الامتحانات الرسمية للطلاب، وعن إصدار نتائجها، والبرلمان لا يجد الوقت الكافي لإنهاء هذه المشكلة.

«برلمان العطالة» في لبنان انتخب على أساس قانون زوّرَ إرادة الناخبين، فكان مغتصبا للسلطة، ثم مدّد لولايته دون العودة، بأي شكل من الأشكال، إلى الهيئة الناخبة، وهذا اغتصاب ثانٍ للسلطة، وها هو اليوم يستعد لتمديد إضافي لولايته، دون أن يكون هناك أي مانع من إجراء الانتخابات النيابية، سوى النية في استمرار اغتصاب السلطة. وحتى لو حصل وأجريت انتخابات في موعدها، فلن تتم إلا على أساس قانون بسوء قانون الستين على الأقل، يزور إرادة الناخبين إذا انتخبوا، وهذا مستبعد.

«برلمان العطالة» في لبنان، الذي امتنع حتى اللحظة عن انتخاب رئيس للبلاد، لم يكن يوما ممثلا شرعيا للبنانيين ولا لمصالحهم. ولكنه في الواقع مجلس مندوبي المافيات المسيطرة في الهيئة الاشتراعية، يمارس اغتصابا فجّا للسلطة لمصلحة هذه المافيات التي تتمظهر كقوى سياسية تدعي كذبا، وتفرض عنوة تمثيلا زائفا للمذاهب والطوائـف في لبنـان، ولكنها، إذ تتبع مراكز الهيمنة الإقليمية في طهران، والدولية في موسكو وواشنطن، والعواصم الأوروبية، فإنها لا تمثل إلا مصالحها المرتبطة، بنيويا، بمصالح أنظمة تلك المراكز وقواها المهيمنة.

في لبنان، قوى مافيوية تتقاسم السيطرة، زرعت مندوبين لها في البرلمان لتحقيق أغراضها، وأتاحت لهم جوا من العطالة شبه الكاملة، ومنحوها الفراغ الذي تريد في السلطة والشغور الذي تتمناه في موقع الرئاسة ومنعوا عن الناس أبسط حقوقهم.

فإلى متى يستمر اغتصاب السلطة في لبنان؟ وإلى متى يسود التمثيل الزائف من خلال المذاهب والطوائف؟


كاتب لبناني

8