قوة الأكراد في التفاوض مع دمشق

لن يجلس الأكراد على طاولة المفاوضات مع دمشق صاغرين. صحيح أنهم كسروا بعد العدوان التركي على مناطقهم ولكنهم لم يخسروا كل شيء.
الأربعاء 2019/10/30
أوراق الأكراد قليلة لكنها كافية لتحقيق ما حلموا

بعد نحو تسع سنوات من الأزمة السورية يجلس الأكراد أمام نظام دمشق ليتفاوضوا على مستقبلهم في البلاد. تبدو أوراق الأكراد قليلة بعد تخلي الولايات المتحدة عنهم، ولكن ربما تكون كافية لتحقيق ما حلموا به طوال عقود منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970.

لن نتحدث هنا عن حلم الدولة الكردية، فالإدارة الذاتية لشرق الفرات لطالما قالت إن الأكراد لا يتطلعون للاستقلال. سنجعل سقف هذه الأحلام هو الإقليم ذاتي الإدارة على غرار ما حصل عليه أكراد العراق، مقابل التعاون مع الولايات المتحدة في إزاحة الرئيس صدام حسين عن السلطة في عام 2003.

لم يسقط الأسد كما سقط صدام حسين، والأميركيون انسحبوا من سوريا بدل أن يحتلوها. للأكراد خصومة مع الإيرانيين والأتراك وبالتالي لم يتبقّ أمامهم سوى روسيا صاحبة اليد الطولى في البلاد، لترعى مفاوضاتهم مع حكومة الأسد في دمشق، أو ليتفاوضوا معها حول ما يريدون من دمشق.

ورقة القوة الأولى لدى الأكراد أن لديهم المرونة في التفاوض على كل شيء. الغاية الأساسية لهم هي تحصيل حقوقهم في الدولة السورية المقبلة، بغض النظر عما جرى خلال السنوات الماضية، وبغض النظر عن استمرار وجود الأسد في السلطة.

لن يُفرّط الروس في التشكيلات العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية. فهي توفر الكثير من الجهد في إعادة بناء الجيش السوري بعد تفكيك مرجعياته الطائفية

في مساواة الأكراد مع بقية السوريين في الحقوق والواجبات غاية روسية ليست نابعة من عدالة موسكو، بل من قوتها ومصالحها. فالروس يريدون إنهاء الأزمة بطريقة تضمن لهم الاستقرار في البلاد لعقود طويلة، ومن جهة أخرى يريدون تقديم نموذج جيد لدول ترتاب من تدخل روسيا في المنطقة.لدى الروس تصور لحل الأزمة السورية لن يفاوضوا الأكراد خارجه، ولن يمنحوهم امتيازات لا تتمتع بها بقية فئات الشعب. إذا كان الروس يريدون الإدارة اللامركزية في البلاد، فسيكون لمحافظات الشمال كما لغيرها، استقلالية في إدارة شؤونها المالية والتنموية وتبعية للعاصمة في الخارجية والدفاع.

ربما يُعجب الروس بعض من ملامح الإدارة الذاتية في الشمال فيعمّمونها على بقية المناطق السورية، ولكن السلطة المتقاسمة بين العرب والأكراد لا تبدو وصفة صالحة لذلك. إذا أرادت روسيا أن تحافظ على وحدة سوريا، فالسلطة يجب أن تمر عبر صناديق الاقتراع دون اعتبارات أخرى.

لا يريد الروس الحديث عن مصير الرئيس بشار الأسد حالياً، وإنما يريدون وضع دستور جديد للبلاد يفضي إلى انتخابات برلمانية ورئاسية. يمكن للأكراد فعل ذلك ببساطة، شرط أن تضمن موسكو لهم المشاركة في وضع دستور البلاد وخوض السباقات الانتخابية للاستحقاقين التشريعي والرئاسي.

لن يُفرّط الروس في التشكيلات العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية. فهي توفر الكثير من الجهد في إعادة بناء الجيش السوري بعد تفكيك مرجعياته الطائفية على مستوى القيادات.

المخابرات الكردية (الأسايش) يمكن أن تكون أيضا جزءا من الصفقة المقبلة بين الأكراد والنظام السوري إذا أراد الروس ذلك، ولكن ليس قبل أن تصدر دمشق عفواً عاما عن كافة المطلوبين السياسيين في مناطق الشمال، وتفرج عن المعتقلين الأكراد القابعين في سجون النظام منذ سنوات بتهم سياسية.

ورقة القوة الأولى لدى الأكراد أن لديهم المرونة في التفاوض على كل شيء. الغاية الأساسية لهم هي تحصيل حقوقهم في الدولة السورية المقبلة

ولن يجد الروس ضيراً في الحفاظ على الحقوق الثقافية للأكراد وغيرهم من القوميات في سوريا. ثمة حلول للقضايا الخلافية في هذا الشأن يمكن الوصول إليها، شرط أن لا تحمل المقترحات تغليباً لهوية على حساب أخرى. وبالتالي يكون الانتماء للدولة السورية متقدماً على جميع الانتماءات الأخرى.

من أوراق قوة الأكراد أيضا أنهم ليسوا على قوائم الإرهاب الروسية أو الأممية، ولا تنطوي تشكيلاتهم السياسية أو العسكرية على شبهة التطرف الديني. حرص الأكراد على غياب المظاهر الدينية المشبوهة في مناطقهم، وقد نجحوا في ذلك لأنهم لا يربطون الدين بالسياسة حتى من قبل الثورة.

ثمة موطن قوة آخر للأكراد في التفاوض مع الروس ودمشق، وهو المشاركة في حماية حقول النفط التي يسيطر عليها الأميركيون.

في الحقيقة لم يتخلَّ الأميركيون عن الأكراد بشكل كامل كما يعتقد البعض. ثمة بعض الأبواب الخلفية التي تركوها لدعمهم بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي. خاصة وأن الأكراد لا يزالون حتى هذه اللحظة حراس معتقلات الدواعش، ويمتلكون ملفات هامة حول قادة التنظيم وخلاياه النائمة في مناطق الجزيرة السورية.

لن يجلس الأكراد على طاولة المفاوضات مع دمشق صاغرين. صحيح أنهم كسروا بعد العدوان التركي على مناطقهم، ولكنهم لم يخسروا كل شيء. ما يفاوض من أجله الأكراد مع الروس اليوم هو استرداد سوريتهم التي سلبها نظام الأسد، ليس منهم فقط وإنما من ملايين السوريين على طول البلاد وعرضها.

9