قوة البصيرة تقود عراقيا كفيفا بين أروقة الأعمال وحلبات الرياضة

جراح دبيسان شاب عراقي فاقد لبصره لكن ثقته العالية بنفسه وطموحه جعلته ينجح، بل يتفوق في نجاحه على الإنسان العادي.
السبت 2018/04/07
الرياضة هواية وكد وجد

بغداد – جراح دبيسان شاب عراقي يبلغ من العمر 26 عاما يتيم الأبوين، يسكن مع عائلة أحد إخوته ويشعر براحة العيش معهم وبينهم.

يمارس جراح، المنحدر من محافظة ذي قار جنوبي البلاد، حياته اليومية كأي إنسان عادي؛ يدير مطعما في جامعة ذي قار ويتدرب يوميا على لعبة الجيدو للمكفوفين.

جراح لاعب في المنتخب الوطني الأول، حقق بطولات وإنجازات متقدمة، ويستعد من الآن للفوز ببطولة آسيا في العاصمة الإندونيسية جاكرتا في نهاية شهر أكتوبر كي يتأهل لأولمبياد طوكيو 2020.

إنجازات جراح الرياضية في حياته اليومية لا توحي بأنه شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة، فاقد لبصره، فشخصيته القوية وثقته العالية بنفسه وطموحه جعلته ينجح، بل يتفوق في نجاحه على الإنسان العادي.

 

لا مستحيل أمام الإنسان إذا ما آمن بقدراته وثقته بنفسه، تقول العرب “أن لا أعمى إلا من عميت بصيرته”، ينطبق ذلك على شاب عراقي استطاع أن يخرج من حالة اليأس التي تصيب كل من فقد بصره في صغره واستطاع أن يحقق ما لم يحققه المبصرون، حيث افتتح مشروعه الخاص وهو الآن يديره بكل حرص كما استطاع أن يتفوق في الجيدو الرياضة التي عشقها عندما كان صغيرا

يقول جراح لقناة دويتشة فيللة “تحديت فقدان البصر. لم أجعله يحول دون بلوغي غاياتي. الكثير من المبصرين لا يستطيعون تحقيق ما حققت”. كان جراح يمارس حياته بشكل طبيعي، ويحب رياضة الجيدو منذ الصغر والتحق بالمنتخب الوطني سنة 2004، ونال ميداليات ذهبية وفضية ومراكز متقدمة داخل وخارج العراق. غير أن بصره أخذ يخبو رويدا رويدا إلى أن فقد النور بعينه اليمنى كليا وضعفت عينه اليسرى.

يقول جراح، “كنت بمرحلة الدراسة المتوسطة، وإلى الآن أتذكر تلك اللحظة، عندما طلب مني أحد المدرسين القراءة على السبورة”، مضيفا، “قلت للمدرس لا أستطيع القراءة لأنني لا أرى جيدا فجرحني وأهانني بشكل قاس لعدم تصديقه كلامي، فلم أتحمل، وتشاجرت معه ليتم فصلي من المدرسة”.

جراح لم يستسلم لما حل به فراجع الأطباء المختصين في العراق وخارجها وسافر إلى إيران والهند لكنه علم بعد ذلك أن أمله في الشفاء ضعيف، حتى في حال أجرى عملية جراحية لشبكية العين.

تقارير الأطباء التي اتفقت على صعوبة الشفاء جعلت من جراح يتوقف عن مراجعة الأطباء والمختصين مجبرا على الاعتماد على عينه اليسرى الضعيفة بدورها لمواصلة الحياة.

يقول الشاب الذي أصيب بخيبة أمل وهو في مقتبل العمر، “أصبت بخيبة أمل وجلست في البيت لمدة سنة دون عمل وتوقفت عن الدراسة لأني أصبحت كفيفا، ما حزّ في نفسي كثيرا هو تركي للعبة الجيدو؛ عشق الطفولة”.

جراح لم يبق وحيدا في هذه المحنة التي أصابته، فقد وقف إلى جانبه أخوه إدريس وشجعه على مواجهة الواقع والسير قدما في الحياة والاندماج في المجتمع من خلال البحث عن عمل.

ثقة إدريس بأخيه جراح جعلته يسلمه مبلغا من المال لابتداء مشروع تجاري واثقا من أن جراح الصغير سينجح في عمله، ولم تكن بداية جراح يسيرة فالعقبات كثيرة لكن إصراره كان أقوى، يقول “واجهت صعوبات كثيرة ببداية الأمر في الاعتماد على نفسي بالمشي في الشارع والتعامل مع الزبائن بالمطعم، لكني تخطيت كل ذلك بإرادتي وتشجيع أخي”.

جراح ليس وحيدا في المجتمع العراقي فأمثاله كثر وكلهم يواجهون مواقف محرجة وأخرى طريفة خاصة إذا قرروا الاعتماد على أنفسهم في البحث عن لقمة العيش ومشاركة الناس العاديين حياتهم.

طموح إلى المزيد من التتويجات
طموح إلى المزيد من التتويجات

يقدر عدد ذوي الاحتياجات الخاصة بالعراق، بحسب تسجيلهم من الدراسة الابتدائية إلى الصف السادس الابتدائي، بحدود أربعة آلاف شخص ببغداد والمحافظات عدا إقليم كردستان بحسب الإحصائيات الرسمية. يتذكر جراح بعض المواقف المحرجة التي واجهها في مسيرته المهنية قائلا، “يستغرب بعض الزبائن عندما يعلمون أني كفيف وأمسك حساب المطعم وأحرص على توجيه العمال وتسيير شؤون العمل خاصة في وقت الذروة. يقول البعض: أنت كفيف فكيف ستعرف إرجاع باقي الحساب لنا؟ كان الأمر يجرحني كثيرا، لكني لم أدعه يحبطني”.

النجاح في العمل رغم صعوبة بداياته شجع جراح على العودة إلى رياضة الجيدو التي عشقها منذ الصغر فعاود نشاطه ليتتلمذ على يد مدربه حيدر خضر ويحقق نتائج طيبة جعلته ينتقل إلى المنتخب الوطني ويتدرب على يد شيخ المدربين طارق حسن عام 2010، فيما تدرب بعد ذلك على يد المدرب داوود عباس ميقاتي عام 2012، ثم المدربين الكابتن حيدر الرزاق والكابتن عبدالرحمن ناصر وحقق ميداليات في منافسات دولية حتى أصبح صاحب المركز الخامس في العالم.

يقول المدرب حيدر خضر، “مشاركة اللاعب جراح دبيسان في منتخب العراق تعتبر مفخرة لرياضة المحافظة بعد الاستعدادات التي أجراها خلال الفترة الماضية في العراق”. إهانة المدرس لجراح لأنه لم يستطع قراءة ما كتب في السبورة لم تثنه عن عزمه في مواصلة دراسته وهو اليوم يواصل دراسته بمعهد خاص للمكفوفين كما يطمح إلى تكوين أسرة مؤمنا دائما بعدم وجود شيء “مستحيل”.

جراح حصل على المركز السابع عالميا في البرازيل سنة 2016 ويستعد لأولمبياد طوكيو 2020

المكفوفون وذوو الاحتياجات الخاصة يواجهون في العراق كما في بقية المجتمعات العربية صعوبات عديدة رغم أن المجتمع يتعامل معهم بالكثير من التعاطف لكنهم يُواجهن بعدم الاهتمام من حكومات بلدانهم.

يقول عامر الموسوي معاون مدير عام دائرة رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة بوزارة الشؤون الاجتماعية في العراق إن “المجتمع بصفة عامة يتعامل معهم بدرجة من التعاطف والوعي باعتبارهم أشخاصا طبيعيين بدليل وجود طلبة مكفوفين وصلوا إلى مراحل دراسية متقدمة جدا”.

وعن الصعوبات التي يواجهها في الدوائر الحكومية يقول جراح “أواجه صعوبات عندما أذهب إلى دوائر الدولة لإجراء معاملة لعدم وجود وسائل تسهل الأمر على المكفوفين لذلك أعتمد كثيرا على منظمة البصيرة الخاصة برعاية المكفوفين لتسهيل أمري فهي بيتي الثاني”.

جراح يحلم بالفوز ببطولة العالم في لعبة الجيدو للمكفوفين، التي بدأ في ممارستها منذ عام 2013 ليشارك في العام ذاته في بطولة الفرات الأوسط والمنطقة الجنوبية ويحرز على المركز الأول وقطع تذكرة اللعب مع المنتخب الوطني في العام نفسه.

وفي عام 2015 سجل أول مشاركة دولية له وذلك في منافسات بطولة العالم التي جرت بهنغاريا وأحرز فيها المركز السادس في وزن فوق 100 كغ. وحقق إنجازات كبيرة وميداليات وأوسمة ذهبية وفضية داخل وخارج العراق منها في أولمبياد ريو دي جانيرو بالبرازيل سنة 2016، وذلك بحصوله على المركز السابع عالميا مع شهادة دبلوم، وعينه الآن على أولمبياد طوكيو 2020.

17