قوة السلاح وحدها لا تقضي على الإرهاب

تصنّف دراسة صدرت حديثا عن معهد ستراتفور للدراسات الأمنية والاستراتيجية تنظيم الدولة الإسلامية على أنه حركة تمرد توظف الإرهاب أسلوبا تكتيكيا، ويجب التعامل معه من هذا المنطلق لا كجماعة إرهابية. وتذهب الدراسة إلى حد مقارنة داعش والقاعدة أيضا، بالحركات الشيوعية التي غزت العالم في القرن العشرين، بالرغم من أنها تحمل أيديولوجيا شديدة الاختلاف. لذلك وبالنظر إلى أجنداتهما يجب فحصهما عبر عدسة نظرية التمرد المسلح بدلا من الاقتصار على عدسة الإرهاب.
الجمعة 2016/02/12
داعش نسخة القرن الواحد والعشرين من الشيوعيين

واشنطن- كثر في الفترة الأخيرة الحديث عن الاستعداد الغربي والإقليمي للتدخّل من جديد في ليبيا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وتقليص قدرته على التمدّد في البلاد وتسيير شؤون المناطق التي وضع يده عليها كما هو الحال في العراق وسوريا.

لكن، هناك حقيقة عن الدولة الإسلامية في ليبيا من المهم الإقرار بها أولا، وهي أن داعش ليس مجرد تنظيم إرهابي، بل هو تنظيم متمرد يستخدم الإرهاب وحرب العصابات وتكتيكات حربية هجينة في معركته لإسقاط نظام البلاد.

والهدف المعلن لدى التنظيم هو الوصول إلى الحكم وتركيز كيان سياسي إسلامي من تصميمه الخاص، وهو أمر بدأ في القيام به في مدينة سرت لذلك عندما تطلق الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون والأوروبيون حملة لإضعاف وتدمير ولاية ليبيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، يجب أن تكون الجهود مرتبطة بجهود مكافحة التمرد المسلح في الساحل الكبير والمناطق الصحراوية، إضافة إلى الحركات المتمردة في الصومال ونيجيريا والعراق وسوريا وأفغانستان وباكستان.

ويجب كذلك أن تخاض هذه المعارك مع ضرورة الوعي بمبادئ مكافحة التمرد المسلح المحلي والإقليمي، بدلا من الاقتصار على عمليات مكافحة الإرهاب المستهدفة والمصممة لقتل بعض قادة ومحاربي تنظيم الدولة الإسلامية فحسب.

حقوقيون تونسيون ضد التدخل العسكري في ليبيا

تونس- عبّر عدد من الحقوقيين والسياسيين التونسيين والليبيين عن رفضهم لأي تدخل عسكري في ليبيا، داعين إلى الضغط من أجل منع أي تحرّك من هذا القبيل.

وجاءت هذه الدعوة خلال ندوة عقدت، الخميس، بالعاصمة تونس تحت عنوان “انتهاكات حقوق الإنسان في المعتقلات الليبية وتداعيات عدم تفعيل العفو التشريعي العام في ليبيا”.

وفي كلمة لها، قالت النائبة في البرلمان التونسي، ورئيسة مركز “البراهمي للسلم والتضامن”، مباركة البراهمي “أي سوء يمس ليبيا سيمسنا بدرجة مباشرة”، فيما قال أشرف الصويعي، عن المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية، إن “المحنة تزداد في ليبيا وستزداد أكثر في حال تم التدخل العسكري”.

ودعت الناشطة الحقوقية راضية النصراوي إلى “التحرك لمنع أي تدخل عسكري محتمل”، مضيفة “نحن ضدّ التدخل الأجنبي في أي بلد، وخاصة بالنسبة إلى ليبيا”.

وفي ذات السياق، أصدر سمير الطيب، النائب في البرلمان التونسي وأمين عام حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، بيانا جدّد فيه اعتراضه على التدخل العسكري الخارجي الذي “أثبت فشله في العديد من المناطق الأخرى فضلا عن تداعياته الكارثية على حياة المدنيين الأبرياء من قتل وجرح ونزوح وتهجير”.

وعلى الرغم من نوايا الحركة الجهادية لتصبح حركة تمرد مسلح عالمية، كان نجاحها على الأرض مرتبطا شديد الارتباط بالظروف المحلية، مما جعلها ظاهرة “عالمية” بالفعل. وليس من قبيل الصدفة أنه من غرب أفريقيا إلى كوش الهندية، نجد أن الجهاديين يزدهرون حيث يوجد فراغ في السلطة وحيث تشكو الحكومات من أزمة شرعية، وفي كل مسرح جهادي بارز حاليا من غرب أفريقيا إلى جنوب الفلبين يوجد تاريخ طويل من الصراع الإثني أو القبلي أو الطائفي.

يمكننا فهم كيف أن الوعد بالسلام والانسجام في ظل حكومة عادلة تطبق الشريعة له جاذبية كبيرة لدى من يعيش في مجتمع فاسد وقمعي وفوضوي. لكن في أماكن مثل جنوب اليمن وشمال مالي اضمحلت هذه الجاذبية بسرعة لمّا أصبحت النظرية واقعا وبدأ الجهاديون يكشفون عن طبعهم الحقيقي.

جنة الشيوعيين ومدينة الإسلاميين

الحركة الجهادية العالمية هي من عدة أوجه شبيهة بالحركة الشيوعية العالمية التي غزت العالم في القرن العشرين، بالرغم من أنها تحمل أيديولوجيا شديدة الاختلاف. وبالرغم من أن الجنة المثالية التي وعد بها الشيوعيون ليست المدينة الفاضلة التي يروّج لها الجهاديون اليوم، فإنها ألهمت عدة مجموعات تشكو من مظالم محلية لتنفيذ هجمات إرهابية وخوض حركات تمرد مسلحة في محاولة لتعزيز الثورة الشيوعية. وفي الواقع دخلت النكهات المتنافسة للشيوعية، من ماركسية وماوية وتروتسكية، في الضرب نفسه من الدعاية والمعارك المادية التي نشهدها حاليا بين القاعدة وداعش.

لقد ازدهرت الحركات الشيوعية في القرن الماضي في أماكن تشكو من التفاوت والاضطهاد العميقين. لكن في البلدان التي توجد فيها حكومات منتخبة بطريقة ديمقراطية، كانت الحركات الشيوعية تناضل من أجل إيجاد موطئ قدم لها.

وبدعم وتمويل خارجيين تمكن الشيوعيون في الولايات المتحدة وأوروبا في نهاية المطاف من تأسيس خلايا إرهابية مثل “واذرمان” و”فصيلة الجيش الأحمر” و”الألوية الحمراء” الإيطالية. لكن بالرغم من أن هذه التنظيمات قتلت بعض الأشخاص وأرهبت الكثير من الناس الآخرين، لم تنجح أبدا في كسب جاذبية عالمية وبقيت تنظيمات صغيرة ومعزولة لم تصل إلى أن تكون حركات تمرد مسلح، ناهيك عن إسقاط حكومات.

ويمكن قول الشيء نفسه في ما يخص التنظيمات الجهادية في أيامنا هذه، ففي الأماكن حيث توجد حكومات منتخبة بطريقة ديمقراطية في أوروبا وأميركا الشمالية، تتميّز التنظيمات الجهادية بالضعف وصغر الحجم، كما أنها معزولة وعاجزة وهي تمثل تهديدا يمكن السيطرة عليه في المناطق المستقرة أكثر بكثير من مناطق أخرى مثل العراق وليبيا.

وفي المقابل، في الأماكن التي تعاني من المظالم طويلة المدى على المستويين الاجتماعي والسياسي، ازدادت قوة الجهاديين وأصبحوا يهددون الأسس التي تقوم عليها الحكومات. ومن هذا المنطلق ليس من الغريب أن تكون كل من أفغانستان واليمن قد شهدتا ثورة شيوعية وأخرى جهادية. وفي بيئات مثل هذه، يصبح الجهاديون مشكلا عويصا وقد يتطلّب استخدام القوة العسكرية في إطار الجهود المنسقة لمقاومته.

ماو تسي تونغ: الجماعة المتمردة يجب أن تتنقل بين الناس كما تسبح السمكة في البحر

بيد أن القوة العسكرية لوحدها لا تكفي لهزم حركات التمرد المسلح، فمثلما تعلّم عدد لا يحصى من الجيوش الدرس الصعب على مر القرون، لا يمكن سحق حركة تمرد مسلح فقط باستخدام قوة السلاح. مثلما اكتشف الأميركيون في فيتنام وأدرك السوفييت في أفغانستان في القرن العشرين، أن استخدام العنف دون تمييز بشكل يؤذي المدنيين، يؤدي حتما إلى خلق المتطرفين بشكل أسرع من القضاء عليهم.

وهذا المبدأ لا يقتصر أيضا على القوى الأجنبية، إذ نتج الشيء نفسه عن استخدام حكومة بشار الأسد للقوة دون تمييز ضد شعبه بما في ذلك الأسلحة الكيمائية والبراميل المتفجرة.

ومثلما اكتشفت الولايات المتحدة في فيتنام، أنه لا يمكن لقوة خارجية أن تحارب حركة تمرد مسلح إلى الأبد، ففي مرحلة معينة يجب على الحكومة المحلية أن تأخذ بزمام الأمور، وهو ما سماه فريق الأمن القومي لدى ريتشارد نيكسون “الفتنمة”، نسبة إلى حرب فيتنام.

وذكر هذا المبدأ مرارا من قبل إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما في محاولتيهما بناء قوة أمنية محلية في العراق وأفغانستان. وفي البداية كانت جهود بوش ناجحة عندما انخرط شيوخ الأنبار في الحرب ضدّ القاعدة في سنة 2007، وأدت العمليات اللاحقة إلى التعطيل التدريجي لتنظيم القاعدة في العراق وكادت تدمّره.

بيد أن الظروف المحلية بيّنت كذلك تلاشي الجهود لمحاربة التمرد المسلح في العراق، فعلى إثر انسحاب الولايات المتحدة من العراق أصبحت الحكومة الشيعية بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ذات نزعة طائفية بشكل متزايد وتنصّلت تقريبا من كل الوعود التي قطعتها على نفسها لشيوخ الأنبار السنة.

وهكذا أعطى التوتر الطائفي والتجاوزات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق المساحة التي يحتاجها للبقاء والانتعاش، مثلما فعلت الحرب الأهلية في سوريا التي جعلت حكومة الأسد العلوية في مواجهة مع المعارضة السنية في أغلبها.

وهكذا كان للسياسات الطائفية الوطنية لدى البلدين أثر شامل كبير من خلال دعم الصعود السريع لتنظيم داعش. كتب ماو تسي تونغ مرة أن الجماعة المتمردة “يجب أن تتنقل بين الناس كما تسبح السمكة في البحر”.

وفي العراق وسوريا مُنح الجهاديون فضاء واسعا ليسبحوا فيه، مثلما يُمنحون الآن الفضاء للسباحة في ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي والصومال ونيجيريا واليمن وأفغانستان وباكستان. لكنهم لا يسبحون فقط، بل هم -بالضبط مثل سرب من السمك- يهاجمون. وتتخندق هذه الجماعات عبر التجنيد وتأمين الخدمات اللوجستية وتدريب الكوادر، وفي بعض الأماكن مثل سوريا والعراق وليبيا. ومن ثم أي محاولة جدية لهزمها يجب أن تتجاوز أدوات مكافحة الإرهاب، وبدل ذلك تطبق فن مكافحة التمرد المسلح. ومثلما رأينا سابقا في العراق واليمن، حتى وإن سُدّدت ضربة موجعة لتنظيم إرهابي سيتمكن من العودة بعد أن يرفع الضغط العسكري عنه إن بقيت المشاكل السياسية التي ولدته دون معالجة.

حكومة مستقرة في ليبيا

هذا يعيدنا إلى ليبيا، فما لم تتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من إرساء نوع من الحكومة الشرعية والمستقرة، بإمكان التحالف أن يقصف الدولة الإسلامية بقدر ما يشتهي، لكنه لن يتمكن من استئصال هذا التنظيم. وبمقدور الجهاديين الانبطاح إلى أن يخفّف التحالف من هجومه ثم يظهرون من جديد.

وبالطبع قد يكون مفهوم الحكومة المستقرة والقابلة للحياة في ليبيا اليوم مفهوما مختلفا عن ذلك الذي يحمله الكثيرون في أذهانهم. وفي هذا السابق كانت جهود الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المتعلقة ببناء الدولة غير منسجمة في أحسن الأحوال، وفاشلة تماما في أسوئها، وكانت تلك الإخفاقات واضحة جدا في محاولات فرض قيم غربية وأسلوب حكم غربي في مجتمع معاد لهذه الأفكار ويعتبرها غريبة عنه. هناك أيضا مسألة كيفية تعريف الدولة، أو ما إذا كان التمظهر الحالي لتلك الدولة قابلا للحياة.

ونجد أن العراق وسوريا وليبيا هي أمثلة لذلك المشكل. هل مازالت هذه البلدان قابلة للحياة بالشكل الذي نراها به اليوم، أم هل ستكون الدول الصغيرة المشكّلة على خطوط إثنية أو طائفية أو قبلية أكثر استقرارا؟ مثل دولة يوغسلافيا السابقة، كل دولة من هذه الدول هي بناء عصري نسبيا يحتوي على خطوط صدع إثنية وقبلية عميقة. وبشكل مشابه كانت هذه الدول تحافظ على وحدتها بواسطة قوة ديكتاتور، وما إن يسقط هذا الدكتاتور، تسقط في فوضى عارمة.

قد لا يكون الحل السياسي لمشاكل العراق وسوريا وليبيا تقسيم البلد إلى دويلات صغيرة مثلما حدث ليوغسلافيا، بل قد يكون في إحداث نظام فدرالي يتمتع باستقلالية ذاتية أكبر، أو ربما شيء آخر مختلف تماما. وأيضا ليس بالضرورة أن يكون الحل هو نفسه لكل بلد يعاني من تمرد الجهاديين.

وبناء على ذلك هناك استنتاج واحد يصح على الجميع: إلى أن تتم معالجة المسائل السياسية الكامنة وتقام الحوكمة المستقرة، لن يتمكن الزعماء من تجفيف المياه التي تعطي الجهاديين المساحة للسباحة.

باحث أميركي

7