قوة العقل الباطن

الأحد 2015/04/12

العقل الباطن أو ما يُعرف باللاشعور أو اللاواعي هو ذلك الجزء من العقل الذي يعمل على تخزين الأفكار غير المقبولة، الأماني، الرغبات والذكريات المؤلمة التي يتعرض لها الشخص في طفولته فيتم كبتها حتى لا تتسبب في أذى الشخص بطريقة أو بأخرى.

ويمكن للعقل الواعي أن يستعيد بعض هذه الذكريات والمعلومات المكبوتة في اللاشعور عند تعرض الشخص للخطر ليتصرف من أجل البقاء. في الماضي دأب علماء النفس والتحليل النفسي على استخدام مصطلح العقل الباطن واللاشعور عند التعامل مع العقد النفسية وتفسيرها: مثل عقدة أليكترا أو عقدة أوديب وغيرها، كما كان يحدث في التحليل النفسي على يد الأب الروحي للتحليل النفسي العالم سيجموند فرويد.

لكن الدراسات الحديثة في هذا المجال وجدت أنه كما للعقل الباطن القوة في تسيير شخصية الفرد بناء على الذكريات المكبوتة المؤلمة يمكنه أيضا أن يعمل على تسيير شخصية الفرد بناء على معلومات ومعتقدات إيجابية وهو ما يحدث في عملية العلاج الإيحائي بأن يتم إدخال كل ما يريده أو يرغب فيه الشخص من أمور إيجابية في العقل الباطن ومن ثم يقوم العقل الباطن بتوجيه الفرد بالقيام بالسلوك المطلوب للوصول لما يريد.

يؤكد الكثير من العلماء في مجال علم النفس والتنمية البشرية أن نجاح الشخص في جميع مجالات حياته يعتمد على علاقته الناجحة بعقله الباطن، وحتى تكون هناك علاقة صحية ناجحة بين الشخص وعقله اللاواعي يجب على الشخص أن يكون على معرفة بخبايا وغموض نفسه ودور هذه الخبايا وخاصة المؤلمة منها في تسيير حياته.

هذه العملية ربما تكون سهلة بالنسبة للمختصين في علم النفس، حيث نتعرض في دراساتنا لتحليل الشخصية إلى العمل على شفاء ذواتنا من الكثير من الأمور والترسبات التي تعرضنا إليها في الماضي قبل أن يُسمح لنا بالتعامل مع الذين يعانون من مشكلات نفسية، وحتى هذا الشفاء لا يكون مئة بالمئة عند كل المختصين، نظرا لوجود فروق فردية بين البشر. وهناك من الناس من غير المختصين من عملوا على شفاء ذواتهم من خلال حضور الكثير من دورات التنمية الذاتية وغيرهم تمكن من شفاء ولو جزء من الآلام المكبوتة عن طريق الجلسات النفسية لدى المختصين.

قوة الارتباط بين الشخص وعقله الباطن هو تدريب للذات على أن لدينا عقل آخر قوي يساندنا في نجاحاتنا في الحياة، سواء أكانت مهنية أو شخصية. والأصل هنا أن يكون لدينا شعور باللاشعور وهو فن الانتقال من التفكير إلى ما وراء التفكير الذي يقوم به العقل الواعي. وأن تكون لدينا معرفة ودراية في كيفية عمل العقل الواعي والعقل اللاواعي معا وكيف يؤثر كلاهما على الآخر.

يكمن السر في العقل الباطن أنه يجذب إلينا كل ما هو مخزون ومكبوت وقابع في اللاشعور. فنحن في حياتنا اليومية نجذب ما نركز عليه، فعلى سبيل المثال الرجل الذي تعرض لخبرات مؤلمة مع نساء رغبن فيه لمصالح مادية فقط يُركز لا شعوريا على أن جميع النساء سوف يرغبن فيه لماله وليس لشخصه وهذا التركيز في اللاشعور سوف يجذب في حياته نساء من هذه الشاكلة حتى وإن قابل امرأة ترغب فيه لشخصه هو لا شعوريا بأفكاره وأفعاله يحولها إلى امرأة تتحدث عن المال لتستفز مشاعره ومخاوفه فيتأكد شعوره وتستمر حياته على هذا المنوال.

والمرأة التي تعرضت لخبرات مؤلمة مع الرجال من خيانة أو غيرها سوف تجذب لحياتها تلك النوعية من الرجال وتسأل نفسها بعد كل تجربة لماذا كل الرجال خونة؟، حتى وإن قابلت رجل يحبها لذاتها سوف ترى فيه ما يجعله خائن بطريقة أو بأخرى.

والرجل الذي فقد حب والدته في طفولته أو أنها تخلت عنه برغم حبها له يؤمن لا شعوريا أن كل حب عظيم سوف ينتهي بالفراق وبالفعل هذا ما سيجلبه له عقله الباطن حتى وإن التقى بالمرأة والحب الذي يريده سوف يعمل وبطريقة لا شعورية على إبعادها وتنتهي علاقته بها بالفراق ويترسخ هذا الشعور ويتجسد في علاقاته المستقبلية.

العقل الباطن يتفاعل مع الإنسان وطلباته بشكل تلقائي ومباشر، فكل ما تركز عليه سوف تحصل عليه عاجلا أم آجلا. ذلك لأن العقل الباطن لا يفرق بين ما هو واقعي وما هو خيال. لذلك، السر هنا أن يُحيط الإنسان نفسه بكل ما هو إيجابي وأن يتحدث مع نفسه بشكل إيجابي مليء بواقع جميل، لأن الكلمات والتفكير والخيال الإيجابي المتكرر يتم تخزينه في اللاشعور بشرط أن يؤمن الشخص بكل ما هو إيجابي يقوله أو يفكر فيه، فكلما كانت الأفكار الإيجابية قوية كلما كان رد وعطاء العقل الباطن قوي، والقوة هنا قوة الإيمان بما نفكر فيه.

العقل الباطن مثل الرادار يتحرى أي كلمة أو فكرة ويخزنها بعض النظر عما إذا كانت إيجابية أو سلبية. فكل ما يتم تخزينه وبرمجته في العقل الباطن سوف يعود للشخص على هيئة أفعال أو أقوال أو أفراد يلتقي بهم الشخص. مثال آخر يتكرر بشدة هو عندما يُكرر الشخص طوال اليوم جملة “أنا تعبان” سوف يتفاعل العقل الباطن مع هذه الجملة ويرسل إشارة للجسد للشعور بالتعب لأن تلك هي رغبة الشخص والنتيجة أن الشخص سوف يشعر بالتعب طوال الأسبوع.

عندما نتخلص من المشاعر والأفكار السلبية نستطيع أن نتواصل مع العقل الباطن ليكون شريكا داعما للنجاح وللشعور بالسعادة وفي أحيان كثيرة مصدر شفاء للعديد من الأمراض التي عجز الطب عن علاجها، وهنا تكمن قوة العقل الباطن.

استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

21