قوة تأثير الإعلام التقليدي مقابل السطوة المالية للرقمي.. من الرابح

لا يكفي الحديث عن الخسائر المالية عند التطرق إلى التنافس بين الإعلام التقليدي والرقمي، فمسألة التأثير على الرأي العام لا تقل أهمية في هذا المجال، وتؤكد دراسة جديدة أن وكالات الأنباء المحلية المستقلة تحتفظ بمكانتها وتأثيرها على الجمهور الذي يساهم بتوسيع النقاش حول القضايا التي تطرحها.
الجمعة 2017/11/24
الأقرب للواقع هو الأكثر تأثيرا

واشنطن- ربما استطاع الإعلام الرقمي سحب البساط من تحت أقدام الإعلام التقليدي وتكبيده خسائر كبيرة، إلا أن تأثير وسائل الإعلام ووكالات الأنباء لا يزال واضحا على الرأي العام، ويتجلى ظاهرا في النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتشير دراسة جديدة أجرتها جامعة هارفارد مؤخرا عن تأثير الأخبار، إلى أن “مشاهدة وسائل الإعلام” تجعل الأميركيين يتخذون مواقف عامة حول قضايا محددة ويناقشون مواضيع حول السياسات المحلية ويعبروا عن أنفسهم علنا.

ويقول جيسون الكون في تقرير نقلته شبكة الصحافيين الدوليين، عن ميديا شيفت، إن وكالات الأخبار حتى في مواجهة وسائل التواصل الاجتماعي، وغرف صدى الاستقطاب السياسي وسيل المعلومات الرقمية، لها تأثير عميق وواضح.

ووجدت الدراسة التي أجراها البروفيسور غاري كينغ مع جامعة هارفارد، أن عددا قليلا من وسائل الإعلام الصغيرة التي تتناول مجالا واسعا من اهتمامات السياسة العامة، قد ساهم في زيادة النقاش حول هذه المواضيع على مواقع التواصل الاجتماعي بنسبة 19 بالمئة في اليوم التالي للنشر.

وعلى مدى أسبوع كامل، تصاعد النقاش بنسبة 63 في المئة مقارنة مع متوسط حجم اليوم. وتغير اتجاه الرأي العام حول المقالات المنشورة. لكن أحد التحديات التي تواجه البحث حول تأثير وسائل الإعلام هو عدم وجود رقابة لدى الباحثين عن نشر الأخبار نفسها. فلا يمكن للباحث اختيار الأخبار العشوائية بشكل تام.

وكالات الأخبار الصغيرة بإمكانها إحداث تأثير كبير على مضمون الخطاب العام بحسب ما خلص إليه بحث استمر خمس سنوات

فالحاجة إلى الحفاظ على استقلالية التحرير وتوقيت تقديم التقارير تعني أنه كانت هناك تجارب قليلة نسبيا ومسيطر عليها تحاول إجراء قياس تجريبي لتأثير وسائل الإعلام.

ووجد فريق البحث وسيلة لذلك من خلال التعاون الفعلي مع وسائل الإعلام، وذلك بالتركيز خلال السنوات الثلاث الأولى من الدراسة التي مدتها خمس سنوات، على مسألة بناء الثقة.

وكتبت المديرة التنفيذية لاتحاد وسائل الإعلام جو إلين غرين كايزر “عندما بدأنا محادثات مع الباحثين في عام 2012، ما كان مطلوبا بدا مستحيلا، ومع ذلك بدأ الباحثون حضور مؤتمرات صناعة الإعلام وعملوا مع اتحاد وسائل الإعلام لاختبار التجربة مع مجموعة صغيرة من المشاركين”.

وقامت الدراسة باختيار 48 وكالة إخبارية التي اتفقت على النشر في الوقت نفسه حول مجال السياسة العامة المتفق عليه مسبقا، وعلى نموذج للتغطية المنتظمة للوكالات. وكانت مجالات السياسة الـ11 هي العرق، والهجرة، والوظائف، والإجهاض، والمناخ، والسياسة الغذائية، والمياه، وسياسة التعليم، واللاجئون، وإنتاج الطاقة المحلية، والحقوق الإنجابية. واحتفظت وسائل الإعلام بالسيطرة الكاملة على ما تم نشره، فضلا عن خيار الانسحاب في أي وقت.

واختار الباحثون نافذة النشر لمدة أسبوعين، مع توقعهم أن دورة الأخبار ستكون بطيئة وانتقوا تاريخ النشر بشكل عشوائي؛ إما الأسبوع الأول وإما الأسبوع الثاني، ثم تمكنوا من قياس ومقارنة التغييرات في حجم وتكوين المحادثة على تويتر بين أسبوع النشر وأسبوع السيطرة.

وكتبت كايزر في مدونة “بالنسبة لاتحاد وسائل الإعلام، يظهر هذا البحث أن حتى وكالات الأخبار المستقلة الصغيرة يمكن أن يكون لها تأثير كبير على مضمون النقاش الوطني”.

الحاجة إلى الحفاظ على استقلالية التحرير وتوقيت تقديم التقارير تعني أنه كانت هناك تجارب قليلة نسبيا ومسيطر عليها تحاول إجراء قياس تجريبي لتأثير وسائل الإعلام

وقالت إن وسائل الإعلام المستقلة لديها تأثير على الخطاب العام. وتفخر الوكالات المستقلة بالقراء الأوفياء الذين يتوقون إلى إثارة النقاش حول القضايا الوطنية على وسائل التواصل الاجتماعي، ويظهرون الرغبة في التعاون علنا وبطريقة تزيد من تأثير الأخبار، وفتح المجال أمام التغطية الإخبارية التي يمكن أن تتعامل مع موضوعات مهمة بملاحقة مشاهدات الصفحة.

وكان القياس الموثوق به عقبة كبيرة للتغلب عليها. وهناك بعض القيود على الدراسة، حيث قالت كاثلين هول جاميسون مديرة مركز أننبرغ للسياسة العامة في جامعة بنسلفانيا، لصحيفة نيويورك تايمز، إنه دون كشف الباحثين عن معلومات إضافية )تم حجب أسماء القصص الفردية والناشرين لأسباب تتعلق بالنزاهة التحريرية)، ستكون هناك أسئلة حول طريقة إجراء البحث العام. هل حجم المحادثة على تويتر يمثل النقاش الوطني فعلا، على سبيل المثال، وما مدى معنى الخطاب هناك؟

وكتبت كايزر “في الواقع إن هذا البحث قد يغير وجهة النظر السائدة حول تأثير وسائل الإعلام، فغالبا ما كانت المؤسسات الخيرية ترفض دعم هذه الوكالات لأنها صغيرة جدا وليس لديها ما يكفي من التأثير”.

ويجدر القول إن الحقيقة الماثلة للعيان في الوقت الراهن أننا في عصر وسائل الإعلام الرقمية، حيث الصحافة التي يدعمها القارئ والأخبار غير الهادفة للربح، تقدم غالبية التقارير المتعلقة بالشأن العام، ومن هنا يشكل هذا البحث خطوة نحو فهم أعمق.

ولذلك تم قياس أثر وسائل الإعلام بشكل موجه في هذا الإطار تحديدا، أي المحتوى الصحافي الذي يؤدي إلى تفاعل واستجابة من قبل الجمهور، ليصل إلى رد فعل على شكل تغيير فردي أو اجتماعي.

ويخلص هذا البحث إلى أنه في حال تم قياس تأثير المحتوى الصحافي أو لم يتم، فإن احتمالات أن عمل غرف الأخبار لا يزال مؤثرا تبقى قوية ومفاجئة في بعض الأحيان.

وقال مؤلفو الدراسة “يجب أن تذكرنا نتائجنا بأهمية النقاش المستمر والمترابط الذي يقوم به الأميركيون حول القضايا الرئيسية للسياسة العامة. وهذا النقاش هو سمة أساسية للحكومة الحديثة واسعة النطاق”.

وإذا كان على الأغلب أن تعاون الناشرين الصغار يمكن أن يؤثر على النقاش بشكل كبير، فيكون السؤال الأبرز إلى أي مدى يصل تأثير التعاون الإخباري غير الربحي والصحف المحلية والأخبار التلفزيونية؟ وماذا عن التعاون بين الثلاثة؟

18