قوة مصر الناعمة لا تستعيدها ندوات لا يحضرها أحد

بعد افتتاح وزيري ثقافة مصر والجزائر الدكتورة إيناس عبدالدايم والدكتور عزالدين ميهوبي، الجمعة معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ49، انطلقت فعاليات المعرض السبت 27 يناير بأرض المعارض بمدينة نصر وتستمر حتى 10 فبراير، حيث تحل عليه الجزائر ضيفة شرف ويحمل شعار “القوى الناعمة ..كيف؟”، فيما وقع الاختيار هذا العام على الأديب الراحل عبدالرحمن الشرقاوي شخصية المعرض.
الاثنين 2018/01/29
هل ينجح المعرض في خلق قوة ناعمة

القاهرة – “لماذا تراجعت الثقافة وتقازمت قوة مصر الناعمة؟”، سؤال تطرحه “نظريّا” ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته التاسعة والأربعين (26 يناير-10 فبراير 2018)، فيما يحمل سوء تنظيم المعرض وتدني خدماته إجابة مبكرة “عملية” عن التساؤل في الأيام الأولى للمعرض.

“الإدارة” هي كلمة السر بطبيعة الحال، ففي الوقت الذي يحمل فيه المعرض لافتته المحورية “القوى الناعمة.. كيف؟”، ويفرد لها الندوات والمناقشات المتشعبة بهدف الإصلاح، فإن جولة في أرض المعرض كفيلة بالجزم بأن قوة مصر الناعمة لا تستعيدها الندوات في ظل الخواء الإداري واستخفاف المعرض بزواره، بل وبضيوف الندوات. وبالإضافة إلى سوء التنظيم والخدمات، فإن المحاضرين في الندوات يكاد يقتصر حديثهم على تعميمات وتعريفات حول القوة الناعمة.

خلل إداري وخدمات سيئة

تعددت قرائن الخلل الإداري والتنظيمي وسوء الخدمات بالمعرض الأكبر والأعرق في الشرق الأوسط، الذي يستضيف الجزائر كضيف شرف في دورة هذا العام وتشارك فيه 27 دولة يمثلها 848 ناشرا.

في الدورة الـ49 للمعرض، التي تحمل اسم الكاتب عبدالرحمن الشرقاوي (1920-1987)، وتدور مناقشات محورها الرئيسي حول عناوين من قبيل: كيف تدير مصر قوتها الناعمة؟ مصر والقدرات الكامنة، القوة الناعمة واستعادة الدور المفقود، لوحظ تغيّب عدد من المتحدثين وضيوف المنصة، في الندوات واللقاءات الفكرية والأمسيات الشعرية.

أما سبب تغيبهم الذي لم يخطر ببال أحد إلا بإعلان الضيوف المتغيبين أنفسهم، فهو أن إدارة المعرض لم تخطرهم أصلا بأنهم مشاركون في الفعاليات، مكتفية بإدراج أسمائهم في برنامج المعرض الرسمي، الذي تتداوله وسائل الإعلام.

ولربما يمكن تصور تهافت التسويق الجماهيري لندوات المعرض، وعدم قدرة إدارة المعرض على الإعلان عن الندوات على نطاق واسع من أجل جذب قطاعات كبيرة من الحضور المستهدف، لكن عدم اكتراث إدارة المعرض بإعلام ضيوف المنصة أنفسهم بالفعالية وعدم التنسيق معهم قبل انطلاق المعرض بوقت كاف، لهو أمر بالغ الغرابة.

وقد خرج عدد من شعراء الأمسية الشعرية الأولى معربين عن امتعاضهم من وصفهم بالمتغيبين عن الأمسية، في حين لم يخطرهم أحد من إدارة المعرض بموعد الأمسية في الأساس، كما اعتذر شعراء آخرون لسبب آخر هو نقل مكان الأمسيات الشعرية من القاعة الأساسية إلى مخيم صغير تم استحداثه هذا العام، ويفتقر إلى عناصر الجودة.

المعرض هذا العام يشكو من سوء تنظيم، وخدمات متهالكة ومتسولين يفسدون متعة التسوق

كما تكررت غيابات واعتذارات ضيوف ندوات المحور الرئيسي، ومنهم على سبيل المثال د.عمرو الشوكي أحد المتحدثين الأساسيين في ندوة: كيف تدير مصر قوتها الناعمة؟

وتأخرت الهيئة العامة للكتاب في طبع كتيب برنامج المعرض إلى ثاني أيام الفعاليات، ونفدت الكمية الضئيلة المطبوعة في دقائق معدودة، ولم يتح توزيعها مثلما هو مأمول على الإعلاميين وضيوف المعرض، من أجل التعريف بالنشاطات والتنويه عنها، بما يحقق جذبا جماهيريّا.

وتبدو منظومة الخدمات الأساسية بالمعرض متهالكة في سائر صالاته وأجنحته وقاعاته وأروقته، ما بين غياب اللافتات الإرشادية وتعطل السلالم الكهربائية وسوء حالة المطاعم والمقاهي والمساجد ودورات المياه وانتشار القمامة، فضلا عن ظاهرة جديدة هي انتشار المتسولين في داخل قاعات الندوات وفي محيط المعرض، بما يفسد تماما متعة التثقف والتجول والتسوق.

ولا تكاد تعي إدارة المعرض منزلقات الانحدار النوعي للحدث المصري المفترض أن يكون الأبرز ثقافيّا وحضاريّا.

تصورات قاصرة

إلى جانب هذا التقصير الفادح في مهام الإدارة وأداء الخدمات، فإن العديد من الأطروحات والتصورات التي تداولها المتحدثون في ندوات المحور الرئيسي “القوى الناعمة.. كيف؟” جاءت مبتسرة، قاصرة، مكتفية بقول ما هو معلوم، عاجزة عن إيجاد حلول للمشكلات الجذرية التي تواجه نهوض القوة الناعمة.

وأقر د.هيثم الحاج علي رئيس هيئة الكتاب بأن القوة الناعمة هي بمثابة واجهة الدولة، التي تمد مصر من خلالها جسورا مع الثقافات الأخرى ويعمل المعرض على استعادتها وبعثها من جديد.

وفي الندوة التي حملت عنوان “كيف تدير مصر قوتها الناعمة؟”، اكتفى المتحدثون بمقولات تنظيرية أولية حول تعريف ونشوء اصطلاح القوة الناعمة، ورصد فاعليتها في دول آسيوية ناهضة مثل الصين واليابان على نحو تعميمي، واستدعاء مجدها الزائل كقوة تأثيرية كبرى رفعت اسم مصر عاليا عربيّا وإقليميّا في النصف الأول من القرن الماضي. ولم يقدم المتحدثون برمجيات عملية لاستنهاض القوة الناعمة بمصر، وإعادة إدارتها على نحو إيجابي وفق عنوان الندوة.

واتفق المتحدثون في الندوة، وهم الباحثان عبدالمنعم سعيد وصلاح سالم، والإعلامي محمود الورواري، على أن القوة الناعمة بمصر تبدو في الوقت الراهن في أدنى مستوياتها التأثيرية منذ هزيمة 1967، على أنهم اختلفوا في ترتيب أولويات الإصلاح، وفق خطوط عريضة يمكن أن يستنبطها غير المختصين، وبدا غريبا للحضور ألا يخوض الخبراء في تفاصيل نوعية من المفترض أنهم حضروا ليناقشوها بعمق.

ولم يتجاوز د.عبدالمنعم سعيد الحديث الفضفاض عن “البعث” و”التقدم” كجناحين لاستعادة القوة الناعمة، حيث ابتعاث الحضور المصري التاريخي كبوتقة تصهر الحضارات.

وتوقف صلاح سالم عند عتبات ينبغي بلوغها أولا قبل الحديث عن استنهاض القوة الناعمة، محددا تلك العتبات الضرورية بالنهضة الاقتصادية والتنمية والعدالة الاجتماعية والحرية السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتطوير التعليمي وتحسين الأحوال الصحية وتجديد الفكر الديني.

ولم يقطع الإعلامي محمود الورواري شوطا أبعد من هذه المقولات التعميمية، حيث اكتفى بالتأكيد أن عناصر القوة الناعمة تبدو “كامنة” في التربة المصرية، وابتعاثها مرهون بابتداع أساليب إدارية مبتكرة، فضلا عن تطوير وتثوير الأداء في المؤسسات الصحافية والإعلام على وجه العموم.

15