قوة مصر تنبع من الداخل

الثلاثاء 2015/04/21

لم يخفت صدى الجدل الذي أثاره ملف صحيفة “المصري اليوم” (إحدى الصحف المستقلة في مصر) حمل عنوان “الشرطة شهداء وخطايا.. ثقوب في البدلة الميري”.

وتواصلت ردود الفعل الرسمية الشعبية حول هذا الملف وقد وصلت ذروتها عندما صدر بيان غاضب عن وزارة الداخلية المصرية التي وصفت ما نشر بـ”عدم المهنية”. وأكدت الوزارة في بيانها شديد اللهجة أنها تعمل لخدمة الشعب وتحت مظلة القانون وقدمت بلاغا للنائب العام ضد الصحيفة.

وسائل الإعلام بدورها أدلت بدلوها، حيث ردّ يسري البدري، رئيس قسم الحوادث بالجريدة، على بيان الداخلية، مؤكدا أن الوزارة تعلّق فشلها على شماعة الإعلام بدلا من مواجهة سلبياتها وأخطائها، واختارت الطريق الأسهل بمهاجمة الصحيفة.

واستنكر الصحفي خالد البلشي، رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، البيان وقال في تدوينة له عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” “بيان الداخلية للتعليق على تحقيق “المصري اليوم” “ثقوب في البدلة الميري” هو درس في الاستبداد وكيفية مصادرة الجهات التنفيذية لحرية الصحافة”.

يأتي هذا الملف ضمن ملفات فتحت مؤخّرا وأثارت ردود فعل غاضبة داخل أوساط النخب خاصة والرأي العام عامة، منها ما أثارته معالجة الإعلامي إسلام البحيري لتراث الأئمة والصحابة والتراث الإسلامي والتي حملت إلى جانب السخرية والاستهزاء الاتهام بالكفر والزندقة، وهو الأمر الذي أدخله في معركة مع الأزهر الشريف ثم مناظرته مع الشيخ أسامة الأزهري ـ أحد علماء الأزهر ـ والشيخ على الجفري، وفيها شبه الأزهري ما يقوله “البحيري” بما قاله “سيد قطب”، فضلا عن بلاغ أمام النيابة ضده. ثم وبالتوازي مع هذا الملف خرج ملف الكاتب الصحفي شريف الشوباشي الذي أطلق دعوة لمظاهرة نسائية في ميدان التحرير لخلع الحجاب.

ملف آخر لم يأخذ أبعاده في الإعلام لكنه يتردد في أروقة مشيخة الأزهر ويتعلّق باستقالة شيخ الأزهر أحمد الطيب خاصة بعد عدم حضوره أو من ينوبه في افتتاح المسابقة العالمية للقرآن الكريم، وتأكيد البعض على وجود توتر بينه وبين وزير الأوقاف، بعد أن طالب الأخير أكثر من مرة بإبعاد الشيخ عباس شومان عن وكالة المشيخة بدعوى انتمائه للإخوان.

وكشف تقرير قضائي للمكتب الفني لرئيس هيئة النيابة الإدارية عن قضية فساد مالي وإداري كبرى داخل الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، تثبت تورط رئيس حكومة ووزير مالية في التلاعب بمليارات الجنيهات داخل الهيئة، وتورط رئيسي الهيئة السابقين ووكيل أول وزارة، في إهدار مئات الملايين من أموال الأرامل واليتامى والعجزة والمصابين بلغت 455 مليار جنيه.

تأتي هذه الملفات الشائكة ويأتي فتحها في وقت تمر فيه الدولة المصرية بمحنة داخلية وخارجية لمواجهة الإرهاب والتطرف والفساد الذي لا يزال ينخر مجمل مؤسسات وهيئات وأجهزة الدولة، ومواطنون بدأوا في التململ واليأس والإحباط جراء استمرار تدني الأجور وارتفاع أسعار السلع الغذائية والكهرباء والغاز والمواصلات، وتردي الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، وطبقا لآخر نسبة حكومية لمعدل الفقر يؤكد ازدياده، وخارجية متمثلة في استمرار الحروب والانقسامات في المنطقة العربية خاصة في دول الجوار ليبيا وسوريا وفلسطين، ثم دخول الحرب على اليمن وما يثار عن إمكانية وجود دور مصري في التدخل البري المرتقب.

أخشى أن يكون فتح هذه الملفات مقصودا ومتعمدا لإحداث الفوضى والانقسام وإرباك الرئيس والتحريض عليه والانضمام إلى دعوات الغضب والانفجار، خاصة أن هناك إصرارا من جانب حكومة المهندس إبراهيم محلب على ترك ملفات العدالة الاجتماعية والتعليم والصحة والفساد والفقر والبطالة وارتفاع الأسعار دون حل أو على الأقل عمل يتلمس فيه المواطن المصري بالانتصار له ولقضاياه الأساسية، مما زاد الأمور سوء تفاقم قضايا الفقر والبطالة والصحة والعدالة وغيرها.

إن حكومة المهندس إبراهيم محلب ـ مع كامل تقديرنا لما تصرح به ليل نهار من مليارات لهذا المشروع أو ذاك ـ لم تملك حتى الآن رؤية واضحة لإنصاف الطبقات المتوسطة والفقيرة وانتشالها من التردي والتخفيف من إحباطها وغضبها.

وعلى الرغم من أن الأمل لا يزال معقودا على الرئيس عبدالفتاح السيسي، لكن الملفات السابقة وملفات أخرى مرشّحة لأن تفتح وتكون أكثر إثارة للجدل، تؤشّر على وجود خلل كبير لدى القائمين بأمر إدارة هذه الملفات في الداخل في كل المستويات وليس المستوى الأمني فقط.

لذا فإنه على الرئيس السيسي أن يلتفت إلى الأوضاع الداخلية ولا يهمل قضايا شعبه ويعطي لها اهتماما أكبر، فدون داخل قوي وموحد ومتماسك وملتف حول رئيسه، أخشى أن تنفلت الأمور من يده وتخرج إلى ما لا يحمد عقباه، خاصة أن هناك من يعملون ضده ليس فقط من الإخوان والسلفيين الذين لا يزال لهم أذان صاغية في الأوساط الفقيرة والمهمّشة التي تعاني من الإهمال والتجاهل، ولكن أيضا من القنوات الفضائية المملوكة لرجال الأعمال وإعلامي الفتنة وغيرهم ممّن لا يقدرون الأوضاع التي تمر بها مصر.

6