"قودان" شبح يهدد استقرار كينيا

السبت 2013/09/28
كان محاسبا في شركة جوية قبل أن يتحول إلى ساحات الجهاد

يمثل الصومال اليوم أحد أبرز معاقل تنظيم القاعدة في العالم وتحديدا حركة الشباب المجاهدين الإسلامية التي تبنت الهجوم على المركز التجاري الفخم "ويست غيت" في العاصمة الكينية نيروبي حيث سقط ما لا يقل عن 68 قتيلا.

ويقود هذا الفصيل المتشدد الذي أعلن انضمامه إلى تنظيم القاعدة أحمد عبدي محمد المدعو "قودان"، والذي ذاع صيته بين الجماعات المتشددة بسبب قسوته وتشدده وقدرته على تجنيد عناصر جديدة من بينهم أجانب معظمهم من الانتحاريين المرشحين إلى "الاستشهاد" .

ولد "قوبان" أو الشيخ مختار عبد الله أبو الزبير في إقليم أرض الصومال سنة 1972 وكان محاسبا في شركة جوية قبل أن يتحول إلى ساحات الجهاد، حيث تمكن من افتكاك مكانة له وفرض سطوته وهو ما أهله لتزعم حركة الشباب الصومالية سنة 2008 وذلك بعد مقتل عدنان هاشي ايرو بصاروخ أميركي.

وقد تمكن قودان من فرض نفسه على الساحة الجهادية ما جعل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري يمكنه من منصب قائد "المجاهدين" في شرق أفريقيا في 2011 رغم أن بعض الرسائل التي نشرت بعد مقتل أسامة بن لادن أفادت أن الأخير لم يكن يستحسن الصومالي كثيرا.

صور نادرة


وبعد بضعة أشهر من ذلك أعلن الظواهري انضمام حركة الشباب رسميا إلى تنظيمه ما أثار احتجاجات بين القادة الإسلاميين الصوماليين، إلا أن "قودان" الذي لم تنشر له سوى صور قليلة جدا، أبدى تأييده الشديد لمقاربة جهادية عالمية، ورفضه لأي منطق فصائلي أو وطني صومالي يعتبره، على غرار القاعدة، متناقضا مع لم شمل "الأمة" الإسلامية.

وقام قودان الذي تعرض إلى انتقادات لأنه نادرا ما قاد قواته ميدانيا ويتواصل خصوصا بالراديو عبر بيانات مسجلة، منذ 2008 بتصفية عشرات القياديين الذين اعتبرهم معتدلين كثيرا.

وأفادت شائعات في 2010 أنه أطيح به لكن مجموعة خبراء في الأمم المتحدة حول الصومال أكدت أنه استمر في القيادة بفضل تطوير أجهزة استخبارات داخلية في الميليشيا الاسلامية والاستناد إليها.

وأفاد آخر تقرير عن المجموعة في تموز/يوليو أن الحركة ما زالت تعد نحو خمسة آلاف عنصر وأن جهاز استخباراتها "منظم وفق نموذج منظمة سرية داخل الحركة ذاتها بحيث يمكنها البقاء حتى بعد حل حركة الشباب.

وأضافت الوثيقة أن قودان أثار استياء أبرز قيادييه بعد تهديداته لأكبر شخصيات الجماعة مثل مختار روبو الذي يحظى بشعبية وحتى أبو منصور الأميركي، المقاتل الاسلامي الأبيض الذي قدم من الولايات المتحدة وقتل مطلع أيلول/سبتمبر على يد الأنصار المتشددين للزعيم. وعموما يبدو قودان ضعيفا من جديد ليس فقط لأن رجاله فقدوا كامل معاقلهم في وسط وجنوب البلاد بما فيها العاصمة مقديشو، بل أيضا لأنه تخاصم مع قيادي اسلامي آخر أساسي يدعى الشيخ حسن ظاهر عويس الذي يحظى بشعبية قبلية كبيرة في البلاد.

وفي ذات السياق أفاد الخبير الأميركي في معهد ديفيدسون كين مانخاوس بعد هجوم نيروبي أن "حركة شباب ضعيفة تشكل خطرا أكبر في الخارج".واعتبر أن "هجوم ويست غيت هو آخر دليل على ضعف الجماعة، كان رهانا يائسا من الشباب شديد المخاطر يهدف إلى قلب آفاق المستقبل".

ووقع هجوم نيروبي بعد سنتين على توغل الجيش الكيني في جنوب الصومال لمقاتلة المتمردين على أرضهم ضمن قوة أفريقية وذلك منذ نهاية 2011 في جنوب الصومال وأسهم في طرد الشباب من معاقلهم وخصوصا من مدينة كيسمايو الساحلية في تشرين الأول/أكتوبر 2012.هذا وانضمت القوة الكينية منذ منتصف أيار/مايو 2012 إلى قوة الاتحاد الأفريقي في الصومال التي تمولها الأسرة الدولية.

وقد هدد الإسلاميون إثر ذلك كينيا بالانتقام وهددوا بمزيد من الردود إذا واصل الجيش الكيني انتشاره في بلادهم، وآخر تهديداتهم كانت إعلان "قودان" عن تبنيه لهجوم "ويست غيت" فقد أصدر رسالة صوتية أعلن فيها المسؤولية عن المجزرة قائلا إنها رد على الوجود العسكري الكيني في الصومال.

وقال إن هذا الهجوم هو "رسالة" إلى الغرب بالتوقف عن دعم كينيا.وذكر أن الهجوم الذي تبنته حركة الشباب هو "رسالة إلى الغربيين الذين دعموا الاجتياح الكيني" للصومال "عبر سفك دم المسلمين لمصلحة شركاتهم النفطية".

وأضاف قودان متوجها إلى الشعب الكيني "اسحبوا قواتكم من الدول الإسلامية أو استعدوا لحمامات دم أخرى"، وقال إن المقاتلين الإسلاميين "وجهوا رسالة تقول أن السلام بعيد المنال طالما أن إخواننا المسلمين يتعرضون للقمع بأيدي الكفار".

وصرح مقرب من قودان بأن الهجوم لم يكن لينفذ بدون أمر منه.هذا وقد عرضت الولايات المتحدة مكافأة بسبعة ملايين دولار لمن يساعد في القبض عليه.

لقد نجحت حركة الشباب الصومالية في تعكير صفو الحياة في كينيا منذ عام 2011، فقد بدأت تلك الجماعة بشن غارات وعمليات خطف عبر الحدود، ثم صعدت من وتيرة عملياتها بشن هجمات بالقنابل وإطلاق النار، على الرغم أنها اقتصرت في معظمها على عمليات محدودة النطاق.

وفي هذا السياق صرح مايك جيننجز رئيس مركز الدراسات الأفريقية بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن بأن حصار مركز ويست غيت للتسوق دفع كينيا وحلفاءها في الغرب الآن إلى "مركز الأزمة".

وتساءل جيننجز:"هل هذا هو هجوم لمرة واحدة فقط لتذكير المجتمع الدولي بوجود حركة الشباب؟ أو إثبات أن لديها القدرة على المضي قدما في تنفيذ هذه الهجمات؟".

وذكرت أنيلي بوثا، وهي ضابطة شرطة سابقة تعمل الآن كبيرة باحثين في مجال مكافحة الإرهاب في معهد الدراسات الأمنية أن حركة الشباب ستحاول شن مزيد من الهجمات خارج قاعدتها في الصومال، مشيرة إلى أن حركة الشباب ستحاول مرارا وتكرارا تخويف السكان في كينيا وأوغندا و بوروندي ومنطقة شرق أفريقيا بأسرها، أي الدول الرئيسية المساهمة بقوات لها في بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال التي تقاتل المتطرفين.وأكدت بوثا أن حركة الشباب قد نجحت في توصيل رسالة إلى الناس خارج الصومال.

اسلوب التخويف

إن هجوم "ويست غيت لم يكن الأول الذي تعلن حركة الشباب عن تبنيه ففي عام 2010، ادعت الجماعة مسؤوليتها عن التفجيرات الانتحارية في أوغندا التي راح ضحيتها 74 من مشجعي كرة القدم أثناء مشاهدتهم مباريات كأس العالم. وكان من بين المهاجمين من لم يذهبوا قط إلى الصومال .

إلا أنه ورغم تبنيها لجملة من العمليات الإرهابية فإن هذه المجموعة أصبحت في موقف دفاع حيث فقدت الكثير من قوتها أمام قوات الاتحاد الافريقي التي تدعم الحكومة المركزية في الصومال. على الرغم من أنها لا تزال تسيطر على مساحات من الأراضي في جنوب البلاد، لكنها تحكم بأسلوب التخويف حيث فقدت الدعم الشعبي الكبير.

وفي هذا السياق كتب "كين مينخاوس" وهو محلل سياسي يعمل في الجماعة الحقوقية "انوف بروجيكت": "من المفارقات أن هذا الضعف مرده تمزق الجماعة إلى عدة فصائل إلى جانب إصابة مقاتليها بالإحباط نتيجة الهزائم المتكررة. كما تسببت الصراعات الداخلية العنيفة في ظهور العناصر الأكثر راديكالية في حركة الشباب، مع تنامي الفكر الجهادي العالمي الذي بات يسيطر حاليا على المنظمة بأسرها.

وبهذا المعنى، فإن الهجوم على كينيا هو هجوم على بلد يساهم في القوات الأجنبية في الصومال - أي "الغزاة" من منظور حركة الشباب - ولكن يمثل أيضا ضربة ضد حليف رئيسي للغرب في المنطقة.

ومن جهة أخرى أشار مينخاوس إلى أن حركة الشباب أصبحت الآن تسعى جاهدة من أجل "إعادة صياغة الصراع في الصومال ليكون في صورة صوماليين في مواجهة أجانب، وليس صوماليين يسعون لتحقيق السلام والعودة إلى الحياة الطبيعية في مواجهة حركة جهادية مؤذية".

ويقول الخبراء في حين أنه من الممكن الاستمرار في إضعاف حركة الشباب، إلا أنه من غير المرجح أن يتم هزيمتها عسكريا في أي وقت قريب.

وفي ذات السياق قال جيننجز من جامعة لندن:"لا أعتقد أنه من السهل التوصل إلى حل سياسي أو تحقيق هذا الحل خلال عام أو عامين، ولكنه بالتأكيد على المدى الطويل هو الحل الواقعي الوحيد".

وأردف قائلاً:"بغض النظر عن مدى الزيادة التي يمكن تحقيقها في حجم قوة الاتحاد الأفريقي في الصومال، أو مدى تعزيزات الأمن التي يمكن نشرها على طول الحدود، أو مدى المساعدة التي يمكن أن توفرها الولايات المتحدة وحكومات الدول الأخرى - فإن قوة صغيرة متماسكة يمكنها تنفيذ عملية من عمليات حرب العصابات بحيث يكون من الصعوبة بمكان هزيمتها أو دحرها".

ومع ذلك فإن "جيننجر" يرى أن الانقسام لا يزال سائدا في أوساط المجموعة، مما يجعل احتمال إجراء محادثات مع جميع أطرافها أكثر صعوبة.

وقالت المحللة السياسية بوثا "يبدو أن العديد من المعتدلين داخل حركة الشباب قد انشقوا عنها في السنوات الأخيرة، بل إن البعض منهم انضم إلى الحكومة الصومالية ولم يبق في الجماعة سوى المتشددين الذين من الممكن في المستقبل أن يدركوا أنه لا يمكنهم تحقيق أهدافهم وسيكونون على استعداد للتفاوض لإنهاء الصراع، والبديل عن ذلك أنهم قد يرفضون كل الحلول الوسط و بدلا من ذلك يقاتلون حتى الموت.

منذ أن شنت كينيا عملية عسكرية في الصومال نهاية 2011 تلقت تهديدات عديدة من المتمردين، وقد تعرضت لسلسلة هجمات كانت أقل ضررا، لكن لم تتبنها حركة الشباب مباشرة.

وقبل الهجوم على وست غيت تمكنت كينيا بمساعدة وكالات أمن أجنبية بمن فيها الـ اف بي اي الأميركي، تحسبا لمخاطر اعتداءات، من إحباط محاولات هجوم عدة وضبطت خصوصا في نيروبي ومدينة مومباسا الساحلية متفجرات تسمح بصنع قنابل كبيرة عدة.

وتحدثت سفارات أجنبية مرارا عن مخاطر ذات مصداقية لوقوع هجمات على أماكن يتردد عليها الكثير من الأجانب وخصوصا المراكز التجارية.

لكنها هذه المرة لم ترصد أي نشاط خاص بحركة الشباب ولم يتبين أي شيء قبل الهجوم.

واستغرب أحدهم قائلا "عموما ترصد (مكالمات هاتفية) أو تحصل تسريبات ولكن هذه المرة لا شيء".

ويرى عدد من الخبراء أن التنظيمات الجهادية في إفريقيا المنتمية لتنظيم القاعدة قد تعمد أحيانا إلى التعاون والسعي إلى التقارب لكن لا يوجد في أفريقيا خط إرهاب اسلامي موحد يمتد من منطقة الساحل إلى القرن الأفريقي.

ففي الوقت الراهن يتبين من خلال الخطب والتصريحات التي تنشر على الانترنت أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي في منطقة الساحل جنوب الصحراء الكبرى وبوكو حرام في نيجيريا وحركة الشباب الاسلامية الصومالية، تعتمد ايديولوجية واحدة لكن نادرا ما تتشاطر الوسائل والأهداف.

وبالنسبة لحركة الشباب، فإنها ستتوجه إلى الغرب حيث ينتشر الشتات الصومالي في أوروبا والولايات المتحدة، لتبحث عن متطوعين للجهاد العالمي وعن أموال ودعم، لكن لا يوجد أي عنصر في الوقت الحاضر يبعث على الاعتقاد بأنها تتعاون أكثر من مجرد الكلام مع الشبكتين الأفريقيتين الأخريين القاعدة في شمال أفريقيا وبوكو حرام في نيجيريا اللتين تؤكدان انتماءهما إلى إرث أسامة بن لادن.

ويرى الأميركي روبرت روتبيرغ من "كينيدي سكول اوف غافرنمنت" في هارفرد أن ثمة رابط يجمع بين الشبكات الثلاث: تحويلات منظمة للأموال من قبل قادة القاعدة.

وقال "إنها بوضوح حركات وطنية وإقليمية... لكنها تتقاسم أموالا مرسلة من تنظيم القاعدة المركزي، لذلك فهي مرغمة على البقاء على إطلاع بما يفعله الآخرون والتعاون حتى نقطة معينة. ولا بد من إجراء مبادلات في مجال صنع القنابل على سبيل المثال، فهي موحدة في هدفها الاسلامي لكن القادة المحليين أقوياء لدرجة لا يسعني معها وصف ذلك بحركة موحدة".

فرع من القاعدة

وللتذكير فإن حركة الشباب الصومالية تأسست عام 2004، وهي حركة مسلحة تتبع فكرياً تنظيم القاعدة، وكانت الذراع العسكرية لـ"اتحاد المحاكم الإسلامية" التي انهزمت أمام القوات التابعة للحكومة الصومالية المؤقتة، قبل أن تنشق عن "المحاكم" بعد انضمام الاتحاد إلى ما يعرف بـ"تحالف المعارضة الصومالية".

وتعد حركة الشباب المجاهدين أقوى الفصائل الإسلامية المعارضة للحكومة الصومالية، وصنفتها الولايات المتحدة في قائمة المنظمات الإرهابية عام 2008. وبرز نجم حركة الشباب كأحد مكونات اتحاد المحاكم الإسلامية الذي قاده الرئيس الصومالي شريف شيخ أحمد، هذا الاتحاد الذي سيطر على جنوب الصومال عام 2006، إلى أن أطاحت به القوات الإثيوبية في بداية عام 2007. ورفضت الحركة مبادرة الصلح التي رعتها الأمم المتحدة، وانتهت أخيرا باختيار الشيخ شريف رئيسا للبلاد في يناير (كانون الثاني) عام 2009 لتعلن الحركة مواصلة الحرب ضده. وتسيطر الحركة حاليا على معظم وسط وجنوب الصومال بما فيها أجزاء من العاصمة مقديشو.

وتعتبر كيسمايو، تعتبر المعقل السابق لمتمردي الحركة، إلا أنها تحولت اليوم إلى قاعدة للقوات الكينية في قوة الاتحاد الأفريقي في الصومال بعد أن استعادته بدعم من مليشيا رأس كامبوني المحلية التي يقودها الزعيم الإسلامي السابق أحمد مدوبي.ويعتقد أن حركة الشباب تستخدم ميناء كيسمايو في التجارة غير الشرعية وعمليات التهريب وبيع الفحم التي تدر عليها مبالغ مالية تساعدها على تمويل نشاطاتها.

13