قولبة الجمهور

الثلاثاء 2014/07/08

مَن هو الجمهور..؟ هل له هويّة محدّدة واضحة..؟ من يستطيع تأطيره وقولبته..؟ هل يفترض التعامل مع الجمهور كأفراد يمكن السيطرة عليهم وتوجيههم أم كحشود يمارس بحقّها إيهام صناعة القرار..؟

الإعلام والجمهور، ثنائية غير متكافئة، قطباها غير متساويين في كفة ميزان التأثير والقيادة، ومع الثورة التكنولوجية ينعتق الإعلام البديل أو الجديد من تلك القيود الصارمة ويتوجّه إلى تمثيل الجمهور أكثر من ذي قبل، ذلك أنّ الناس يعبرون عن أنفسهم بحرية بعيدا عن سطوة الرقيب وتوجيه المتنفذ المتحكّم.

كلّ مَن يشتغل في شأن من الشؤون العامّة يضع نفسه ناطقا باسم الجمهور، بنسب متفاوتة، ويكون الحديث بإطلاق وتعميم، وكأنّ الجمهور مجسّم واحد أو كيان مخصّص محدّد الملامح والصفات.

لا يكاد يخلو حقل من حقول المجتمع من محاولة توريط الآخرين والتورّط في احتكارهم وتمثيلهم، والسعي إلى شغل المكان الخالي الذي يتمّ فيه تحديد الجماهير وتنشئتها. عندما يقوم السياسيون بإجراء مقابلة صحافية أو متلفزة فإنهم يقومون بتوظيف الشعارات الخطابية مدّعين أنّهم يفهمون ويقفون إلى جانب ما يريده الجمهور، وعندما تقدم مجموعات المعارضة مطالب باسم الأغلبية الصامتة فإنّها بدورها تزعم احتكار الجماهير وتمثيلها، وكذلك تكون حال مخرجي الدراما والسينما في منحى آخر. وكذا يكون الدأب في مختلف المناحي.

عالج الباحثان الأميركيّان ستيفن كولمان وكارين روس في كتابهما “الإعلام والجمهور” الواقع والمفهوم، وجوانب من الهيمنة والصناعة، وكيف أنّه يتمّ تقييد الجمهور وتأطيره، وإيهامه بأنّه هو الذي يقود الإعلام، في لعبة مدارها الإشعار بالقوّة. انطلق الباحثان من فكرة مفادها تنبيه الجمهور إلى الإيهام الذي تمارسه وسائل الإعلام الحديثة عليه والتحايل الذي تلجأ إليه، وذلك من خلال إشعاره أنّه مركز الحدث ومنطلقه وغايته، في حين أنه يكون مرميا وسط حلبة متناهبة من قبل القيمين على الإعلام من جهة، والمتوجهين إلى الجمهور من جهة أخرى، وفي الحالتين فإن كلا التوجهين يخدمان غايات أصحابها فقط بعيدا عن إرضاء الجمهور أو مطالبه الحقيقية، لكنهما يتمسكان برفع شعارات توحي للجمهور أنه بوصلة الإعلام والسياسة في الوقت الذي يكون لعبتهما ومسرح تلاعبهما.

هل صحيح أنّ الجمهور هو دائما نتاج للتمثيل السياسي..؟ وأنّه ليس هناك جمهور مسبق يمكن لوسائل الإعلام تسجيله أو التقاطه..؟ وهل صحيح أنّه يتمّ استدعاء الجماهير من خلال المعالجات الإعلامية التي تهيمن عليها قوى سياسية ومؤسّسية واقتصادية وثقافية..؟ إن كان كذلك، فمن يتحمّل ضرائب قولبة الناس، الإعلام أم نسبة كبيرة من الجماهير..؟


كاتب من سوريا مقيم في لندن

15