قول في الإيقاع

ليس دافنشي حالة استثنائية بين التشكيليين، في إحساسهم بإيقاعات أعمالهم، حتى بات الإيقاع في الفن التشكيلي أمرا لا يمكن تجاوزه، وهذا ما سأحاول تناوله في موضوع قادم.
السبت 2018/05/19
إيقاع الحياة.. سريع أو بطيء (لوحة: أسامة بعلبكي)

لم أكن أتصور أن الإيقاع يتجاوز الموسيقى، حيث تعلمت أنه -الإيقاع- أحد مكونات العمل الموسيقي، وأنه، كما تصفه الدراسات الموسيقية، تقسيم الزمن بنقرات تتوالى، فتحدد النغم، وفي أحد حواراتي مع الباحث الموسيقي الجاد د. علي عبدالله، عرَّف الإيقاع بأنه النبض المحسوب زمنياً.

ومن خلال التعريف سالف الذكر، وجدت أن الإيقاع لا يتعلق بالموسيقى وحدها، وقلت: من الطبيعي أن يكون من مكونات النشاط الإنساني على كل صعيد، وأنه “نظام تعاقب الضربات بكيفية معينة ومتطابقة تبرز مختلف القيم الزمنية” كما يقول الباحث الموسيقي أدولف دانهاوزر.

وتعريف الإيقاع في المعجم الموسوعي للمصطلحات الثقافية “هو صفة مشتركة بين الفنون جميعاً، تبدو واضحة في الموسيقى والشعر والنثر الفني والرقص، كما تبدو أيضاً في كل الفنون المرئية، فهو إذاً بمنزلة القاعدة التي يقوم عليها أي عمل من أعمال الأدب والفن، ويستطيع الفنان أو الأديب أن يعتمد على الإيقاع باتباعه طريقا من ثلاث، التكرار أو التعاقب أو الترابط” وهذا التعريف يقود إلى استذكار كل ما يتعلق باستعمال مفردة الإيقاع في حياتنا العامة، وبخاصة في حياتنا الثقافية، فنحن نقول: إيقاع الحياة في هذه المدينة أو تلك، سريع أو بطيء، ونقول هذا أيضاً عن عمل مسرحي أو شريط سينمائي، وطالما استمعنا إلى المعلقين الرياضيين وهم يصفون مباراة رياضية، بأن إيقاع هذه المباراة بطيء، أو أن إيقاعها سريع ، وينصرف مثل هذا الوصف أحياناً إلى لاعب من اللاعبين.

وإذا كان الشعر من أكثر الفنون ارتباطاً بالإيقاع، سواء في الأدب العربي أم في الآداب الأخرى، فقد كتب عن هذا الموضوع ما لا طاقة لأي متابع على استحضاره وحصره، ومع ذلك ما زال كثيرون لا يفرقون في شعرنا العربي بين العروض والإيقاع، رغم معرفة أن التفعيلة العروضية ليست سوى” نوطة” تحدد الموسيقى الخارجية للشعر، أما الإيقاع فهو جوهر الكتابة الشعرية، لذلك فإن وحدة الانتساب العروضي لا تعني وحدة الإيقاع، حتى داخل القصيدة الواحدة؛ ولنأخذ مثلاً، بيتين من معلقة امرئ القيس -البحر الطويل–:

فيا لك من ليل كأن نجومه/ بكل مغار الفتل شُدَّت بيذبلِ/ ثمَّ:/ مِكَرِّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معاً/ كجلمود صخرٍ حطَّهُ السيلُ من عَلِ

ولنقرأهما قراءة صحيحة، وسنجد أن إيقاعيهما مختلفان تماماً، فالبيت الأول وحداته الموسيقية أوسع، وإيقاعه أبطأ، أما البيت الثاني فوحداته الموسيقية قصيرة وإيقاعه سريع.

وليس النثر بمعزل عن الإيقاع، فقراءة عدد من نصوص الجاحظ مثلاً، تضعنا إزاء إيقاعات داخلية متباينة، ويتغير الإيقاع أحياناً، داخل النص الواحد، عبر ارتباطه بطبيعة الموضوع وعلاقة الكاتب به، ورغم علاقتي الطويلة بالجاحظ فلطالما اضطررت إلى قراءة النص الجاحظي مرتين، إذ أستغرق في جماليات الإيقاع في كل قراءة.

أعرف أن الكتابة الحديثة تتساهل في استعمال المصطلحات. وأعرف كذلك، كما يعرف أي متابع للكتابات التي تتناول الفن التشكيلي، أن الحديث عن إيقاع الفنون التشكيلية شائع ومعروف، وصرنا نقرأ باستمرار، ليس في النص النقدي فحسب بل في النصوص الإبداعية، صياغات، مثل إيقاع الخط وحركة اللون وموسيقى البنى اللغوية. لكن ما أريد التأكيد عليه هنا ليس الصياغات اللغوية بقدر ما هو اكتشاف الإيقاع في الفنون التشكيلية، وفي فن العمارة، وهل هو مجرد إحساس أم أنه واقع قائم، وفي هذا السياق يقول مبدع عملاق، مثل ليوناردو دافنشي “إن كل صور الطبيعة إيقاعية متموجة، وإن الطبيعة الحقة لكل كائن إنما تتمثل في هذا الارتفاع والانخفاض الدوري الذي يقدمه لنا أنموذج الموجة”.

وليس دافنشي حالة استثنائية بين التشكيليين، في إحساسهم بإيقاعات أعمالهم، حتى بات الإيقاع في الفن التشكيلي أمرا لا يمكن تجاوزه، وهذا ما سأحاول تناوله في موضوع قادم.

14