قول في الاغتراب

السبت 2016/10/08

في رواية “على فراش الموز” للروائي العراقي الراحل عبدالستار ناصر، توقفت عند قوله “كيف حصل نجيب محفوظ على كل تلك الشهرة، وهو الذي لم يعش أبدا، أي تجربة استثنائية، تستحق الذكر، وقلت إن الدنيا حظوظ، مع أنني أحب نجيب محفوظ وجلست إلى جانبه العشرات من المرّات في مقهى ريش، وكذلك في كازينو قصر النيل، برغم أنني على يقين لا نقاش فيه، بأن الرجل لم يكن غير موظف مجتهد في دار الأهرام طوال حياته، والدليل أنه هو نفسه لم يصدق أنه فاز بجائزة نوبل حين أخبروه بذلك، الحياة في أساسها تجارب، وحياة نجيب محفوظ محصورة بين الوظيفة والأصدقاء والحرافيش والعائلة، حتى أنه لم يسافر طوال حياته إلا مرة واحدة، فكيف أُفسِّر ذلك؟”.

حتى لو افترضت، أن هذا القول، رأي بنجيب محفوظ، فلست بصدد مناقشته، وسأتوقف عند قضية السفر، وأعرف أن ناصر، يولي السفر الكثير من الاهتمام، إذ ظل حاضرا في معظم كتاباته، لكن لا بد من توضيح، أن المواهب الكبيرة، تحوِّل التجربة الذهنية إلى تجربة إبداعية، وهذا ما فعله نجيب محفوظ، وأن المواهب الضامرة لا ترى في السفر سوى بعده السياحي.

وليس نجيب محفوظ هو المبدع الوحيد الذي لم يكن مولعا بالسفر، فديستوفسكي كان كذلك، والشاعر الأسباني فيثنته الكسندرة الحائز على جائزة نوبل، ما كان السفر من مصادر تجربته المهمة، وممن نعرف من الأدباء العرب ممن اشتركوا مع من تقدم ذكره في هذا التوجه، الشاعر عبدالعزيز المقالح والروائي محمد شكري والقاص محمد خضير، وكل منهم جعل من تجاربه الذهنية خصوصية إبداعية في ما كتب.

إن السفر، أو الاغتراب، وعلاقته بالإبداع، أمرٌ لم يكن غائبا عن الحياة الثقافية، ويختصر هذا الحضور، أبوتمام في قوله “وطول مقام المرء في الحيِّ مُخْلِقٌ لديباجتيه فاغتربْ تَتَجَدَّدِ”. أي أنه كان يرى أن الاغتراب، يجدد حياة المرء وفكره، وأن المكوث في مكان واحد وطول المقام فيه يجعلان الحياة رثة، وكذلك الفكر.

إن الاغتراب لغة، هو الابتعاد والذهاب بعيدا، والتنحي عن الناس، ويقال”اغرب عن وجهي”، أي، ابتعد، والتغريب هو النفي عن البلد ومن المفارقة أن شرَّق – بتشديد الراء – لا تنصرف إلى مثل هذه المعاني، وتعني السير باتجاه الشرق، ثم دخلت مفردة الاستشراق في حياتنا الثقافية منذ قرنين، بالمعنى الذي نعرف، وهو دراسة الشرق والتخصص في معارفه وتاريخه وتحولاته الاجتماعية والسياسية. إن موضوع الغربة والاغتراب من أكثر المواضيع حضورا، ليس في النص الأدبي فحسب، وإنما في الفنون وبحوث علم الاجتماع والفلسفة.

وعلى سبيل المثال، إن القاصة إنصاف قلعجي، انتزعت من الاغتراب معنى موجعا، في قصة قصيرة بعنوان “الحب في مدار السرطان” “أنا سين من الناس، كل وجع النساء فيَّ، كل وجع الإنسانية فيَّ”، إذ اكتشفت في الأكروبوليس، حيث ليل الإغريق، وفينوس التي تغادر التمثال إلى الشارع، أن “الوهج كبير، أكبر من هذا الجسد الضئيل”.

وحين سألتها يوما عن السفر والإبداع، أجابت “إن أهميته تأتي من الكيفية التي تختزن بها التجربة، وليس من أهمية للسفر، إن كان سيأتي بتجربة ضحلة، إن المغترب يرى المقاهي والناس والشوارع، وطالما كان الماضي معه وفي إهابه، وتكون الشرارة، في محاولة الابتعاد عن موجات الغربة”.

لقد قرأت كتيبا بعنوان “في ضيافة هنري ميلر”، وهو حوار طويل أجراه معه الكاتب بسكال فريبوس. يقول ميلر “أنا أسافر في داخلي، يمكنني أن أكون في الصين، في التبت، في باريس، أسافر داخل رأسي، وهذ أكثر غنى وأقل إرهاقا”. لكن ليس التجدد نتيجة حتمية للسفر والاغتراب، فنجيب محفوظ الذي لم يسافر، كان الأكثر تجديدا بين كتاب الرواية العرب، وأن آخرين من جيله، لم يقر بهم قرار، لكن تجاربهم في الكتابة ظلت أسيرة التقليد والتكرار والإعادة.

شاعر عراقي مقيم في عمان

16