قول في الحوار الثقافي

طبيعة الحوار وما تختزنه الأسئلة من إشارات وما تثيره من قضايا وتتناوله من مواقف وأفكار، تجعل منها أحيانا، إبداعا حقيقيا.
السبت 2018/02/24
الحوارات الثقافية الجادة تكشف عن عمق ثقافي

ليس من مشتغل في المجال المعرفي، الأدبي والفكري والفني، إلاّ واضطرته وسائل الاتصال، مقروءة ومسموعة ومرئية، إلى إجراء حوارات معها، وباتساع منابر الاتصالات وتعددها وتنوعها، حيث تضطر جميعا إلى ملء فراغاتها ومساحاتها المفتوحة بها، فيأتي الكثير من هذه الحوارات، مكررا وباردا ومرتبكا، ومن دون أي ضابط ثقافي أو اجتماعي.
ويمكن أن نلاحظ، وبخاصة في الحوارات التلفزيونية، أن الوقت الذي يمنح لفنانة مبتدئة في إطلالتها على عباد الله لتتحدث إليهم عن أدق خصوصياتها، لتعلمهم دروسا تنفعهم في الدنيا والآخرة، ومثل هذا الوقت لم يمنح للعقاد أو لمصطفى جواد أو لبنت الشاطئ أو للأخطل الصغير.
ومما يلاحظ أن الكثير من المفكرين والمبدعين يستجيبون لدعوات الحوار من أي المنابر جاءت ومن أي الأشخاص، فيستقبلون أسئلة مكررة وسطحية تتكرر معها إجاباتهم وتتسطح.
إن الكثير من الصحف تعتمد في إجراء الحوارات، سواء أكانت ثقافية أم غير ثقافية، على صحافيين غير مؤهلين مهنيا، بل قد يُكلَّف بهذا العمل متدربون ومبتدئون، وفي مثل هذه الحالة يأتي الحوار ضعيفا، يُسيء إلى المحاور -بفتح الواو-  ولا يعبر عنه وعمّا يتوفر عليه من خبرات وتجارب ومعارف.
ومما لا يغيب عن ذاكرتي، على هذا الصعيد، وقد كنت يومها في القاهرة، فاتصل بي صحافي صديق أحترمه وأقدره وأتابع كتاباته، وكان يومذاك يعمل في إحدى الأسبوعيات المصرية، واقترح علي إجراء حوار ثقافي، فوافقت، وبعد حين جاءت صحافية شابة لبقة لا تخلو من ذكاء، إلى حيث كنت أقيم في أحد الفنادق، وابتدأت بحديث عام لتعرف ماذا أكتب؟ وهذا ما أثار حفيظتي وقررت ألا أجري الحوار الذي جاءت الصحافية الشابة من أجله، فأي حوار هذا الذي يكون فيه الطرف الآخر لا يعرف شيئا عمن يحاوره، بل لا يعرف ماذا يكتب، وماذا يمكن أن ينتج عنه؟ ثم جاءت ضيفتها واقترحت عليها بكل احترام وهدوء، تأجيل الحوار إلى مناسبة أخرى.
وحين أستعيد هذه الحادثة، إنما أريد أن أشير إلى نوع من الحوار الثقافي، تقدمه منابرنا الثقافية والإعلامية يفتقد إلى احترام المتلقي. لكن في الوقت ذاته نقرأ أو نستمع إلى حوارات يجريها محررون مهنيون ومقدمو برامج مثقفون، طالما شكلت وتشكل مصدرا من مصادر المعرفة وقراءة تجارب الآخرين، ممن تُجرى مثل هذه الحوارات معهم.
إن الحوارات الثقافية الجادة لا تتعلق بسيرة الذين يحاورون فيها فحسب، بل تكشف عن عمق ثقافي ووعي نقدي لدى طرفي الحوار، وتتسم بالجدية وعمق القول وجدته، حيث تتمثل مصادر المعرفة في جميع منابعها، لكن ما يفكك أثر هذه الحوارات العميقة والجادة، توزعها في المصادر، زمنيا ومكانيا.
وفي حواري المطوّل مع الصديق هشام عودة، الذي نشره في كتاب “الشمعة والدرويش” قلت “لو كنت الآن قريبا من مكتبتي وأرشيفي لعملت على جمع حواراتي في كتاب، لا أشك في أنه سيكون مصدرا من مصادر قراءة تجربتي الثقافية والحياتية إبداعا وسيرة”.
إن طبيعة الحوار وما تختزنه الأسئلة من إشارات وما تثيره من قضايا وتتناوله من مواقف وأفكار، تجعل منها أحيانا، إبداعا حقيقيا، لذا حين يكون الحوار جادا، أي أن يكون طرفا الحوار على قدر واحد أو متقارب من الوعي والمسؤولية تجاه ما يقال، يكون عملا فكريا مهما، ومثل هذا الحوار، كان سمة أساسية طبعت الثقافة الإنسانية بطابعها، ويكفي أن نتذكر الثقافة الإغريقية وعلى وجه التحديد، نصوصها الفلسفية، حيث قدمت أهم إنجازاتها من خلال الحوار، سواء أكان هذا الحوار حقيقيا، أي بين اثنين أو أكثر من المتحاورين أم افتراضيا، حيث يكون الكاتب -الفيلسوف- هو الذي يطرح الأسئلة ويجيب عنها.

14