قول في الوعي النقدي

رغم جميع التجارب التي عرفها العالم فإن دور الوعي النقدي محوري في اكتشاف الخلل واقتراح وسائل التجاوز.
السبت 2019/07/06
النقد ضرورة للخروج من التعصب (لوحة للفنان ضياء العزاوي)

كنت أقول، حين تفكر كفرد، مكتشفا وناقدا، وباحثا عن الحقيقة، مع أن الحقيقة نسبية وليس هناك من حقيقة مطلقة، فإنك بهذه المحاولة تستطيع أن تضيف شيئا ما، إلى ما استقرت عليه الجماعة -أي جماعة- من فكر أو من قناعات، ومن الطبيعي أنك بهذه الإضافة لا تغير فكر الجماعة أو قناعاتها، لكنك قد تحرك المياه الراكدة.

إن وعي الحوار والاعتراض والتغيير والإضافة، يبدأ على الأغلب من وعي الفرد الذي يستوعب التوجهات العامة، في ما ذكرت قبل قليل عن الوعي، ويعبر عنها، وقد يتحول إلى بؤرة للاعتراض والتغيير، وهذا الفرد طالما اتسم بالشجاعة والقدرة على مواجهة الثابت والمكرر والموروث، حتى وإن تحولت إلى ما يشبه المقدس، ويصبح نقدها من المحرمات، بل يعد من الكفر حينا والخيانة حينا آخر.

في التاريخ الإنساني وفي معظم المراحل التاريخية ومختلف المجتمعات، كان القهر والنبذ، مما نال المواقف النقدية سواء تبناها فرد أم تبنتها جماعة، ولم يقتصر هذا الموقف على المؤسسات الدينية فقط، بل مارستها مؤسسات اجتماعية وما زالت تمارسها.

ورغم أن الفكر النقدي الذي أشرنا إليه وما يقترن به من مواقف، طالما انتهت إلى نجاح وتجاوز الثابت حتى وإن تمترس وراء المقدسات، لكن قد يتحوّل الفكر النقدي إلى ثابت مقدس، وهو الآخر، لا بد أن يواجه موقفا نقديا، وبخاصة حين يدعي التعبير عن الحقيقة المطلقة وأن كل ما يوجه إليه من نقد هو تجاوز على هذه الحقيقة، وتختلط لدى الكثيرين مهمة الوعي النقدي، بل مفهوم النقد ذاته، مصطلحا ودورا، إذ يتحول النقد إلى ممارسة سلبية، تستهدف الآخر، المختلف طبعا، ويوظفون منظومات كلامية وقدرات صوتية ودربة على المحاججة، لمقارعة الآخر المختلف، ويعدون ذلك من قبيل النقد، وهو ليس كذلك.

إن خطاب التعصب هو الذي يملأ الفراغ بين الآخر والآخر، أو المختلف والمختلف، ومن المؤسف أن يكون مثل هذا الخطاب هو فعل التواصل بين من وصفناهم بالآخر والآخر، أو المختلف والمختلف، فتتحول بعض ما تعد حوارات في الندوات ووسائل الاتصال إلى نوع من العراك حيث اللعن والنبز والشتيمة، ولطالما قدمت لنا بعض محطات التلفزة تحت عناوين الحوار، نزالا يكون فيه المنتصر، الأطول لسانا، حيث يغيب الوعي النقدي ويحضر أكثر القواميس بذاءة، بل لقد تطورت أدوات التواصل بين الآخر والآخر، المختلف والمختلف، في بعض الحالات إلى اشتباك بالأيدي ورفس بالأرجل وضرب بكل ما تصل إليه الأيدي.

ومما يلفت النظر، أن المنتصر في مثل هذه النزالات، يكون سعيدا ويعد نجما في الوسط الذي ينتسب إليه لأنه نجح في الدفاع عن مواقف ذلك الوسط وقناعاته وألقم الآخر حجرا، وألحق به هزيمة منكرة!

الآن كما في الماضي، بل منذ طفولة الوعي عندي، ألتقي بمثقفين لهم خياراتهم الفكرية والسياسية، أو ممن يعدون بهذا الشكل أو ذاك من المثقفين، ومع التصاق هذه الصفة بهم -مثقف- غير أن كثيرين منهم يعدون الانتقام من الآخر-المختلف.

في المقدمة التي كتبها الأستاذ محمد علي اليوسفي لعدد من قصائد الشاعر أكتافيو باث وظهرت في كتاب بعنوان “كنت شجرة وتكلمت بستان حروف، القصائد الشرقية” يتناول تجربة الشاعر المكسيكي الكبير الذي نال جائزة نوبل في العام 1990، حيث يقترب من تجربة عاشها أكتافيو باث، حيث يتقدم وعيه الفردي على ما هو مستقر ويجرد الآخرين من وعيهم النقدي ويحاصرهم في ما يريد.

إذ عاش تجربة الحرب الأهلية الإسبانية واكتشف المواقف التي أدت إلى هزيمة الجمهوريين، ومن هذه المواقف خذلان الروس لهم وذلك” ما أحدث صدمة عند الشاعر، الذي لن يتوانى عن إعلان رأيه والتشهير بتلك المواقف، الأمر الذي جلب له الارتياب، بل العداء والكراهية من أصدقائه الإسبان والأميركيين الجنوبيين، فعاش العزلة والمنفى”.

لأنه، وكما يشير إلى ذلك الأستاذ محمد علي اليوسفي، “إن كل من ينتقد النظام الستاليني، بل أستطيع القول، إن كل من يشير إلى أخطائه وانحرافاته، كان يعد رجعيا ومعاديا للثورة وعميلا للغرب، ربما لم ندرك تلك المرحلة أو لم نعشها، لكننا أدركنا حضورها وتأثيرها، بل ما زلنا نعيشها بهذا الشكل أو ذاك”.

وحين أقف عند هذا المثال، لا أقصد التجربة السوفيتية التي انتهت بكل إيجابياتها وسلبياتها، كما لا أقصد المرحلة الستالينية التي قال في تجريحها من كان يعدها التجربة الأكثر قداسة، أكثر مما قال فيها أعداؤها، بمجرد أن تحوّل الثابت داخل التجربة في نظرته إليها في العام 1953، فتم استبدال ثابت بآخر، واستمرت النظرة إلى الوعي النقدي كما كانت من قبل ولم تتغير.

ورغم جميع التجارب التي عرفها العالم، وعشنا بعضا منها، وأدركنا دور الوعي النقدي في اكتشاف الخلل ودقة ما يقترح من وسائل التجاوز في الكثير من الأحيان، لكن ما زالت جيوش الظلام -كل جيوش الظلام- في كل جغرافيات الثابت، ترى في الوعي النقدي مهما كان إيجابيا، عدوا ينبغي قمعه وإقصاؤه.

14