قوى آسيا الصاعدة وصناعة الارتقاء الحضاري.. النجاح ليس حكرا على الغرب

تدفع تجارب التطوير الاقتصادي والتنمية وإصلاحات النظام الداخلي الذي تقوده النمور الآسيوية، متبعة الطريق الذي سلكته اليابان إبان الحرب العالمية الثانية، والنجاح الذي حققته الصين على المستوى الاقتصادي بالأساس، إلى التساؤل عن إمكانية استنساخها بما يتماشى وخصوصية المنطقة العربية لتحقيق نهضة تنموية قادرة على مواكبة تطورات المتغيرات العالمية، حيث لا يمكن إغفال دور القوى الدولية الصاعدة في بلورة التفاعلات والهيكل الدولي الجديد.
الثلاثاء 2015/10/27
دور حيوي للدولة في توجيه الاقتصاد الآسيوي الصاعد

تشهد السياسة الدولية، ومنذ انتهاء الحرب الباردة نهاية العام 1991، عدة تحولات نوعية غير مسبوقة. وبسبب مخرجات هذه التغيرات لم يعد هيكل السلطة الذي كان مهيمنا على تفاعلات ما بعد الحرب العالمية الثانية قائما. وعلى أنقاضه هيكل جديد يتشكل، حيث تؤشر المعطيات الدولية الراهنة على أنه سيكون مختلفا اختلافا جذريا عن الهيكل القديم.

ويعتبر العصر الراهن، كما أكد ألفين توفلر، المفكر الأميركي والعالم في مجال دراسات المستقبل، عصر تحول السلطة. ولم يجر هذا التحول بمعزل عن أثر قانون تاريخي ثابت، بل في خضم قانون التغيير وأنماط الحركة المتجددة التي تعبر عنه، وتراكمات إفرازاتها وقوة دفعها باتجاه جديد.

وتقترن مكونات بعض هذه الأنماط بسلوك قوى دولية ترتقي تدريجيا، وبثبات، إلى مستوى دول تسمى بالصاعدة أو البازغة. وكما أن الرؤية الموضوعية لا تستطيع التنكر لدور الدول الكبرى والعظمى التقليدية في صناعة التفاعلات الدولية، كذلك لا يمكن إسقاط دور هذه القوى الدولية الصاعدة في بلورة هذه التفاعلات والهيكل الدولي الجديد.

وفي ضوء واقعها الجغرافي وأصلها الحضاري، تنتمي بعض هذه الدول البازغة إلى الغرب كألمانيا، وبعضها الآخر إلى الشرق كالصين واليابان والهند مثلا. لكن، تلتقي هذه الدول في قاسم مشترك يكمن في تجذّر إرادتها على تأمين الارتقاء الحضاري داخليا كسبيل لأداء دور دولي فاعل يتماهى ومخرجات هذا الارتقاء.

وتفيد تجربة هذا الارتقاء بأنه يؤشر إلى سمات فريدة؛ السمة الأولى، ومثالها، أن بعض هذه التجارب على غرار النهضة اليابانية، أنجزت خطوات هامة خلال فترة زمنية قصيرة، مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وتعتبر التجربة اليابانية الأطول عمرا مقارنة بتجارب آسيوية أخرى، انطلقت قبل بضعة عقود من الزمن، على غرار تجربة سنغافورة التي بدأت في العام 1965؛ بينما لم تنطلق الصين عمليا في عملية التحديث الداخلي الشامل إلا بعد وفاة ماو تسي تونغ عام 1976؛ أما تجربة كوريا الجنوبية فتعود إلى عام 1980. وتبرهن هذه التجربة على أن الارتقاء الحضاري لا يحتاج إلى فترة طويلة من الزمن حتى يتحقق. وتبعا لذلك تكون تلك الرؤية التي مفادها أن تجربة الغرب في التحديث، مع أهميتها، هي النموذج الذي ينبغي الاقتداء به، رؤية غير دقيقة.

في ضوء واقعها الجغرافي وأصلها الحضاري، تنتمي بعض هذه الدول البازغة إلى الغرب كألمانيا، وبعضها الآخر إلى الشرق كالصين واليابان والهند مثلا

أما السمة الثانية، فمفادها أن الارتقاء الآسيوي السريع لم يكن مرهونا بعرق محدد أو خلفية ثقافية معينة؛ فإلى جانب تجارب المجتمعات الآسيوية ذات الأكثرية الصينية، تبرز أخرى مهمة هي تجربة مجتمع آسيوي أكثريته من المسلمين، وهو المجتمع الماليزي. وعليه نتساءل: ما الذي أدى إلى صنع هذا الارتقاء الحضاري الآسيوي؟

هذا الارتقاء كان محصلة لجهد الإنسان الآسيوي أساسا. ومثلما تؤكد التجربة فإن الارتقاء الحضاري لا تصنعه متغيرات مادية أو فكرية فحسب وإنما كذلك الإرادة البشرية، فهي صانعة التحولات الكبرى في تاريخ الشعوب والدول. ونرى أن هذا الجهد كان محصلة لتفاعل ثلاثة متغيرات أساسية:

* التعامل الكفء مع الزمان، فالإنسان الآسيوي تعامل مع الزمان تعاملا ارتبط أساسا بالحركة والتغيير وأدواتهما. فيوم العمل في اليابان، مثلا، هو الأعلى إنتاجا. وتؤكد الآراء أن الاقتصاد الصيني سيكون في العام 2025 الأول من نوعه في العالم، شرط استمرار معدل نموه الحالي.

ولم يكن هذا الإنجاز الفريد بمعزل عن أثر نظام القيم السائد في المجتمعات الآسيوية؛ ففي هذه المجتمعات تذوب الأنا في الجماعة الاجتماعية ولصالحها أساسا. لذا يعد الانضباط والتنظيم الاجتماعي قيمتين آسيويتين تم توظيفهما لدعم النجاح الاقتصادي.

* تبني سياسات تنموية بنكهة آسيوية؛ من المعروف أن الاقتصاديات الآسيوية، باستثناء الصين، التي تنفتح على الاقتصاد العالمي ولاسيما اقتصادات حافة المحيط الهادي، تعد جزءا من النظام الرأسمالي. غير أن الآسيويين يرون أن نظامهم الاقتصادي يطرح، إلى جانب النظم الاقتصادية المعروفة، نظاما ثالثا. فالتنمية في هذه الدول لم تتحقق جراء دور القطاع الخاص فقط، وإنما أيضا جراء ما تقوم به الدولة من تدخل وتوجيهها لقوى السوق إلى تلك المسارات التي تؤمّن تحقيق أهداف اقتصادية منشودة. لذا لم تكن الليبرالية الاقتصادية في هذه الدول شرطا لازما للارتقاء الاقتصادي.

اتساقا مع هذه الرؤية، تبنت الحكومات والشركات الآسيوية، وضمن تخطيط بعيد المدى، توليفة من الآليات رمت بها إلى تأمين درجة عالية من الإنتاج والنمو الاقتصادي. ومن بينها إيلاء دور القيادة الإدارية في التخطيط والتوجيه والمتابعة لجهد الفرد العامل، كمّا ونوعا، أولوية متميزة. هذا إضافة إلى تغليب النهوض الاقتصادي.

وتقدّم الصين أنموذجا في هذا الصدد. فإدراك القيادة الصينية أن خيار الأمن أولا ينطوي على تحمّل كلفة باهظة تؤخر عملية النهوض الاقتصادي، دفعها ومنذ نهاية السبعينات، إلى البدء ببرنامج واسع للتحديث الداخلي يولي أولوية متقدمة للنهوض على سواه. ومما ساعد على ذلك، أن الانفتاح الصيني الواسع على العالم ظل متفاعلا مع نمو قدراتها العسكرية، وكان لهما انعكاسات إيجابية على شعورها بالأمن.

* الواقعية السياسية الخارجية؛ تعد الواقعية، بمعنى التعامل مع معطيات الحياة الدولية وفق قوانينها الموضوعية، توجها عاما اقترنت به، عبر الزمان، العديد من السياسات الخارجية، وسبيلا لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتوطيد دعائمه تأمينا لانطلاقة خارجية فاعلة لاحقا. وتقدم التجربتان اليابانية والصينية مثالا واضحا.

عمدت تجربة اليابان إلى تجنّب الانغماس المكثّف في التفاعلات الإقليمية والعالمية خلال فترة ما قبل السبعينات. ومما ساعد على ذلك تأثير متغيرات خارجية، أبرزها الحماية الأمنية الأميركية لها. وأتاح تجنب الانغماس السياسي الخارجي لليابان فرصة مثلى لتركيز كامل جهدها الداخلي على الإنتاج والتطوير. أما عن تجربة الصين، فقد انطوى تاريخ خطابها السياسي على إشارات واضحة تؤكد أنه، استمر منذ العام 1949 وحتى المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الصيني عام 1973، خطابا عقائديا. بيد أن هذا الخطاب كان يخفي، في الوقت ذاته، نزوعا واقعيا بل وحتى نفعيا. وقد اكتسب هذا النزوع لاحقا زخما عمليا جراء مخرجات تخلفها الاقتصادي والعسكري آنذاك، وإخفاق سياستها الخارجية في كسب دول عالم الجنوب إلى جانبها.

التنمية لا تستطيع أن تكون خارج ذلك الوعاء الجغرافي والتاريخي والاقتصادي والثقافي والسياسي والمؤسساتي، الذي يرعاها ويرحل بها إلى آفاق أرحب

وقد دفع الإخفاق العام للسياسة الخارجية الصينية قبل بداية السبعينات بصناع القرار الصيني إلى البدء بعملية إعادة هيكلتها باتجاه الانفتاح السياسي الخارجي وتوظيف مخرجاته لصالح الإسراع في عملية التحديث الداخلي، التي أصبحت بمثابة المهمة القومية الأولى للصين منذ المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي الصيني عام 1977.

وتؤشر المعطيات الموضوعية على أن هذا التوجه الواقعي رفد سعي الصين نحو أهدافها العليا بعناصر داعمة مهمة؛ فالاقتصاد الصيني حقّق قفزات استثنائية. واستطاعت الصين، بعد أن كانت دولة لا تحظى عموما بالقبول الدولي، وعبر أنماط من السلوك تميز بتغليب التعاون على الصراع، أن تضحى إحدى الدول الكبرى المؤثرة في التفاعلات الدولية، وبروزها كدولة أساسية في تفاعلات النظام الشرق آسيوي. ومن هنا قيل إن الصين ستقفز إلى المقدمة كأحد العوامل الأساسية المؤثرة في تحديد صورة القرن الراهن. وسواء، اتفق المرء أو لم يتفق مع هذا الرأي، فإنه لا يستطيع نكران حقيقة موضوعية، هي أن الصين أضحت تحقق نموا متصاعدا في مجمل قدراتها على الفعل الهادف والمؤثر، وأن هذا النمو لا بد أن ينعكس إيجابا على فاعلية سياستها الخارجية. ولنتذكر أن الفاعلية الخارجية تؤسسها الفاعلية الداخلية أولا.

ويدفع نجاح الدول الآسيوية في صناعة الارتقاء الحضاري إلى التساؤل، هل التجربة الآسيوية قابلة للنقل أو التصدير إلى دول الجنوب ولا سيما تلك المتأخرة أو المتخلفة حضاريا؟

وفي إطار الإجابة عن هذا التساؤل لا بد من الإشارة إلى أن تجارب التنمية لا تقبل الاستنساخ الحرفي؛ فالتنمية لا تستطيع أن تكون خارج ذلك الوعاء الجغرافي والتاريخي والاقتصادي والثقافي والسياسي والمؤسساتي، الذي يرعاها ويرحل بها إلى آفاق أرحب. ولاختلاف هذا الوعاء من دولة إلى أخرى، تتنوع بالتالي نماذج التنمية والنهوض في العالم وتتعدد؛ ومن بينها النموذج الآسيوي.

لكن، ذلك لا يعني أن النموذج الآسيوي لا يستحق التأمل والدراسة والاستفادة العملية من بعض عناصر نجاحه. والنجاح، مثلما هو الحال كذلك مع الإخفاق، ينطوي في عالم اليوم على امتدادات تتجاوز إطاره الجغرافي المحدد.

أستاذ العلوم السياسية ودراسات المستقبليات

7