قوى الارتداد الاجتماعي

الخميس 2016/09/22

تفككت الدولة الوطنية العربية بشكل مريع، وأصبح الرهان بعد ذلك على استعادتها ضربـا من الخيال، بل صار الرهان على بقائها غير مضمون بالمرة. فلم وصلنا إلى هذا المآل بعـد كل الأحلام العريضة التي رسمتها الأنظمة الثورية العربية؟ لم وصلنـا إلى استبدال الدولة بأشكال سلطوية، هي أقرب إلى مفهوم ما قبل نشوء الدولة الحديثة؟ لم صار الحديث عن بقاء الأوطان العربية بجغرافيتها الحالية، مجرد أمنية، وصار التفكك الجغرافي مسألة وقت لا أكثر؟

أعتقد أن الكثير من الصحف سودت، وإن حبرا كثيرا جرت إسالته، في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات المشروعة. فانهيار أنظمة تحديثية قامعة، أنتج بعدها فوضى قامعة، أي أننا إزاء بديل من ذات النسيج، لا غيره، وبدلا من قمع منظم، صرنا أمام حالة قمع منفلت، وانتهينا إلى البحث من جديد عن مفهوم الدولة التحديثية، أي الدولة التي تقود المجتمع لبناء ذاته، عبر إنشاء المؤسسات الحديثة (أجهزة تعليم متطورة، أنظمة قضائية مستقلة، مؤسسات خدمة عامة، ومؤسسات تمثيل اجتماعي متعددة) وفوق ذلك نظام قانوني ضامن للمواطنة كحق أساس.

بدلا من ذلك كله، صارت الدول العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي، ومن قبلها العراق، تترنح تحت أسئلة كان يفترض أن تحسم منذ زمن طويل، كأسئلة الهوية الوطنية والهويات الفرعية، والحقوق الاجتماعية، والاعتراف بالتنوع الإثني والديني، والسيادة القانونية على القوى الاجتماعية، أو خضوع جميع القوى لسلطة شرعية واحدة متساوية، بل صارت هذه الدولة أمام سؤال أهم، هو شكل النموذج الذي يجب أن يعاد بناؤه في هذه البلدان بحيث يكون مقبولا من قبل فئات متنوعة من المجتمع.

في بعض البلدان التي طالها التغيير الثوري، كمصر مثالا، نجح النظام السابق، أو ما يسميه المصريون “الدولة العميقة” في استعـادة نفسه من جديد، وعادت ذات الآليـات التي رفضـت في ثـورة الشبـاب لتعيد إنتاج نفسها في ثورة مضادة، في تونس حدث سيناريو شبيه، إلا أن اختلافه هو ضعف الدولة العميقة التي تركها بن علي، عن تلك التي تركها حسني مبارك في مصر.

في سوريا وليبيا واليمن، صرنا أمام تفجير لكل الدولة السابقة، تفكيك لمؤسساتها، ونهوض لقوى ما قبل الدولة، حيث الجماعات الدينية والقبلية، صارت تنظر على أنها البديل الموضوعي للنظام الدكتاتوري في حال سقوطه، بل وأصحبت كما في الحالة الليبية تلتقي مع قوى الدولة العميقة السابقة في إحداث أكبر قدر من الفوضى لعدم إيصال المجتمع إلى مرحلة الدولة.

هنا في العراق، كان البديل الأكثر وضوحا للنظام الدكتاتوري الصدامي هو الفوضى، نهوض قوى دينية وقومية أخذت على عاتقها تفكيك مؤسسات الدولة الوطنية مؤسسة تلو الأخرى، فمن حل الجيش العراقي إلى تدمير المؤسسات القضائية والتعليمية، وانتهاء بإطلاق يد قوى مسلحة بديلة عن الجيش النظامي في لحظة يمكن وصفها بأننا فقدنا، وإلى الأبد، فكرة استعادة بناء الدولة التي يمكن أن تحتكر العنف من جهة، وأن تقنن استخدامه وفق إطار شرعي من جهة أخرى، صار حلم استعادة بناء الدولة في العراق وفي البلدان العربية الأخرى، واحدا من أكثر الأحلام البعيدة عن الواقع، وصارت القوى البديلة أو ما أسميه قوى الارتداد الاجتماعي عن مشروع التحديث هو الحل المتوفر، على الأقل في ظل الفوضى الراهنة.

في البحث عن بديل لهذا المآل يبقى الرهان الأكثر واقعية، خصوصا بعد تدمير الجيوش العربية التي كانت تأخذ في ما سبق زمام المبادرة في تصحيح الأوضاع، أو كانت تعمل كميكانيزمات لمنع تقسم الجغرافيا الوطنية التي أنتجتها قوى الأستعمار القديم، هو على النخب الثقافية العربية التي تعي حجم المخـاطر، بعـد الولوج في لعبة تجزئة الجغرافيا، فهذا التقسيم لن يقف عند حدود معينة، هو انقسام امبيبي يواصل انشطاره بشكل سريع (جنوب السودان مثالا)، ولهذا الانقسام ثمنه المزيد.

المعول عليه الآن هو التصدي لهذه المؤمرات، من خلال فضح هذا التحالف بين قوى “الارتداد المحلية المتخلفة”، وقوى الفوضى العابرة للقارات التي تبحث عن مصالح عليا، تتجاوز حياة الملايين، وتجتاز جغرافيا أوطان تغرق الآن بالدم.

كاتب عراقي

9