قوى التدمير العلنية

السبت 2014/08/23

هل صحيح أن التنمية لا تتعدّى أن تكون أسطورة تساعد الدول المتخلّفة على إخفاء أوضاعها التعيسة والدول المتقدّمة على إراحة ضمائرها..؟ هل حقّا يمكن اعتبار غالبيّة الدول القوميّة التي تشكّلت في آسيا وأفريقيا في القرن العشرين، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على قيامها، مجرّد مشاريع قوميّة غير مكتملة، أو أشباه دول قوميّة..؟ وهل من الواقعية القول إنّها لم تشهد حتّى إطلاق شيء من الازدهار المفترَض وأنّها ظهرت دون أيّة خيارات للتنمية..؟ هل أصبحت الثروة البشريّة عبئا على دول العالم الثالث في الوقت الذي كان يفترض أن تكون أداتها الأهمّ للتغيير والتنمية..؟

يتحدّث المفكّر البيروفيّ أوزوالدو دو ريفيرو في كتابه «انقراض العالم الثالث: أسطورة التنمية وقوى التدمير الخفية»، عن العديد من الموضوعات التي تساهم في زيادة أعباء العالم الثالث، ومنها: أفول الدولة القوميّة، التمكين الكوكبيّ والإفقار القومي، التوحّش والانقضاض على البشر والطبيعة. ويشير إلى عوائق في سبيل التنمية، منها الأزمة التي تواجهها الحضارة، والتي ليست مجرّد أزمة اقتصاديّة كما يعتقد الكثيرون، بل يراها أزمة عدم القدرة في المحافظة على الحضارة المدينيّة والآخذة في الانتشار إلى جميع أنحاء الكوكب بأسلوب لا هوادة فيه، والتي تنجم عنها ندرة المياه والطعام وارتفاع أسعارهما واستنفاد الوقود الملوّث للبيئة.

يشرح دو ريفيرو علة مستوطنة في هذه القضيّة، وهي أنّه ليست هناك أيّة مقدرة على إعادة تدوير الطاقة المستنفدة أو إحلال أخرى محلّها، تلك الطاقة التي تؤدّي إلى زيادة حرارة الكوكب. كما يرى بأنّ هناك عجزا عن مواجهة تدمير البيئة لعدم القدرة على تغيير نماذج الاستهلاك المدمّرة. يشبّه ذلك بأسلوب الخلية السرطانيّة التي تمضي في تدمير الكائن الحيّ الذي تعيش عليه. كما يصرّح أنّ الأزمة بعيدة المدى وأنّها أخلاقيّة وتقوم على أساس أيديولوجيا التقدّم المادّيّ بأيّ ثمن، وهي أيديولوجيا ذاتيّة التدمير تؤمن أنّه باستطاعة الكوكب إمدادنا بموارد لا نهائيّة واستيعاب قدر لا محدود من التلوّث.

تظلّ التنمية وما تحمله من قوى التدمير التي تتبدّى كأنّها عدوّ داخليّ شرس، فارضة لطريقة من التعاطي مع الأزمة الحضاريّة، وعدم الهروب إلى الأمام، وتأجيل الأزمات والإشكالات التي تتراكم وتصل إلى درجة خطيرة من التعقيد. لأنّ أيّ ترحيل لها هو تأجيل للانفجار، وتغيير توقيته لا غير، في حين أنّ الواجب يحتّم العمل على تفكيك عناصر قنبلة التدمير العلنيّة التي تتضخّم بالتقادم.

ولا يخفى أنّ الحروب المحتدمة في أكثر من مكان على الكوكب، والصراعات المتأجّجة باطّراد وتجدّد، تشكّل إحدى وسائل التدمير العلنيّة، وهي بدورها تعطّل حركية التطوّر المنشودة، وتزيد الهوّة بين الواقع والحلم.


كاتب من سوريا

16