قوى طائفية تلتف على قانون العفو العام منعا للمصالحة في العراق

قانون العفو العام في العراق الذي يواجه عراقيل وعقبات ذات طبيعة سياسية، خطوة إصلاحية هامة لا تقل قيمة عن باقي الإصلاحات المطلوب إقرارها، نظرا لكونه يمهد الطريق لمصالحة شاملة كفيلة بدرء التفكك عن المجتمع العراقي، وبالمساعدة في تجاوز أحقاد الماضي وضغائنه.
الخميس 2015/11/19
ثقة العراقيين منعدمة بعدالة القضاء

بغداد - طالب ائتلاف الوطنية في العراق بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي بتغيير مشروع قانون العفو العام الذي يناقشه مجلس النواب حاليا بشكل جذري كونه لا يخدم المصالحة الوطنية الدافع الأصلي للمطالبات بسنّه وإقراره.

واعتبر الائتلاف في بيان أن الصيغة الحالية المطروحة للقانون، تجعل العفو مقتصرا على الفاسدين وسراق المال العام.

وجاء هذا الموقف امتدادا لتحذيرات أطلقتها عدّة شخصيات سياسية عراقية، من محاولة قوى وأحزاب طائفية إفراغ القانون من محتواه وتسطيحه ليصبح مجرّد عفو عن مجرمي الحق العام، فيما المطلوب، حسب هؤلاء، العفو على شخصيات وكفاءات حوكمت لأسباب سياسية وأيديولوجية وخلت ملفاتها من أي إثباتات تؤكّد تورّطها في جرائم حقيقية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن مئات المسؤولين مختلفي الدرجات والوظائف في نظام الرئيس السابق صدام حسين، يقبعون في السجون، ومنهم من ينتظر حكم الإعدام لمجرّد الانتماء لحزب البعث الحاكم سابقا، أو لمجرد تولي منصب رفيع في الدولة آنذاك، على غرار وزير الدفاع الأسبق سلطان هاشم الذي لا يكتفي البعض بالمطالبة بإطلاق سراحه، بل يدعو إلى الاستفادة من خبرته، وخبرة غيره من قدماء المؤسسة العسكرية وتجاربهم الثرية، في إعادة بناء المؤسسة التي تعاني ضعفا كبيرا في الهيكلة والتنظيم دفعها إلى حافة الانهيار وجعلها تنهزم أمام زحف تنظيم داعش على البلاد صيف العام الماضي. ويرى أصحاب هذه المطالبات أن التمادي في سياسة “الاجتثاث” التي اتبعت ضدّ منتسبي حزب البعث والمتعاطفين معه، على مختلف درجاتهم يعطّل المصالحة المنشودة والضرورية، ويكرّس الصراع داخل المجتمع ويدفع بعض أبنائه إلى التطرف والعنف تعويضا عن إقصائهم وتهميشهم.

وسبق لشخصيات عراقية أن طالبت بإلغاء ما يعرف في العراق بـ”قانون المساءلة والعدالة” الذي أنشئت بموجبه تحمل نفس الاسم بغرض اجتثاث حزب البعث الحاكم سابقا.

وكانت فكرة التخلّي عن مسار الاجتثاث طرحت في نطاق رؤية تصالحية رافقت تعيين حكومة جديدة في العراق برئاسة حيدر العبادي الذي حمل آمالا بشأن تخفيض مستوى التوتر داخل المجتمع العراقي والذي بلغ مداه في فترتي حكم سلفه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي متّخذا بعدا طائفيا واضحا.

ومازال الانتماء لحزب البعث في العراق يشكل “جريمة خطرة تستوجب عقابا لا يقل شدّة عن عقاب مقترفي الجرائم الإرهابية.

استخدام تهمة الإرهاب في تصفية حسابات ضد خصوم سياسيين وغض الطرف عن جرائم حقيقية

وأعلن محافظ ذي قار يحيى الناصري أمس اعتقال ما سماها “خلية تنتمي إلى حزب البعث المنحل تضم 13 إرهابيا”، وفق تعبيره.

وخلال الفترة الماضية دار صراع سياسي وقانوني حول إقرار قانون للعفو العام يكون مدخلا للمصالحة الوطنية. وتحت ضغط بعض القوى السياسية، وأيضا بعض المطالبات الحقوقية الدولية، عرض على البرلمان العراقي مشروع قانون، قال المطلعون عليه إنه سطحي وأجوف ومفرغ من المحتوى.

ونقل عن نائب بالبرلمان العراقي رفض الكشف عن هويته القول إن صيغة القانون المطروحة للنقاش تحمل بشكل واضح ملامس الأحزاب الشيعية التي يرفض أغلب قادتها تحقيق أي مصالحة في العراق مع قوى “ينعتونها بالإرهابية”، ويحشرون ضمنها معارضين سياسيين لحكم تلك الأحزاب ومطالبين بدولة مدنية.

ورغم العلات الكثيرة التي يحتوي عليها قانون العفو العام بشكله المطروح حاليا، فإنّ هيمنة الكتل والأحزاب الشيعية على البرلمان العراقي، ستتيح إقراره، “ليخسر العراق جولة جديدة في محاولات تحقيق المصالحة الوطنية، وليبقى رهين أحقاد الماضي وضغائنه”، بحسب تعبير أحد منتقدي القانون الذي أنهى مجلس النواب السبت الماضي القراءة الثانية لمشروعه.

ولا يقل إقرار قانون حقيقي للعفو العام يفتح الطريق لمصالحة شاملة في العراق، أهمية، عن باقي الإجراءات الإصلاحية التي يحاول رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إقرارها، إنقاذا للدولة العراقية من مخاطر حقيقية تتهددها.

وكان سليم الجبوري رئيس مجلس النواب قال إن القانون المطلوب إقراره “لا يبتعد عن حملة الإصلاح التي توافقت الحكومة والبرلمان على الشروع فيها”، داعيا الجهات المعنية إلى التفاعل مع مشروع قانون العفو العام بشكل يتلائم مع “الشجاعة الإصلاحية” التي تمتاز بها هذه المرحلة.

وكان ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي يعتبر أحد أبرز المتشددين في رفض المصالحة مع أطراف سياسية يصنّفها “إرهابية”، قد وضع شروطا على إقرار قانون العفو العام، عبر عنها النائب عن الائتلاف صادق اللبان بالقول إنّ “ائتلاف دولة القانون والتحالف الوطني حريصان على أن يقر مشروع قانون العفو العام، لكن يجب أن لا يشمل الإرهاب والذين تلطخت أياديهم بدماء العراقيين”، مضيفا “هناك جهات سياسية تحاول أن توسع شمول العفو بحيث يصل إلى إخراج متهمين بالإرهاب”.

وتكمن المشكلة في هذا الموقف، أساسا في أنّ تهمة الإرهاب في العراق أصبحت ذات مفهوم مطاط يوسّعه بعض أصحاب النفوذ في النظام العراقي القائم حاليا ليشمل مخالفيهم في الرأي وخصومهم السياسيين، فيما يضيقونه حين يتعلّق الأمر بجرائم كبيرة مثل التعذيب في السجون والقتل على الهوية خارج نطاق القانون وجرائم الميليشيات الشيعية ضدّ المدنيين والتي ما تزال تمارس إلى اليوم على أوسع نطاق.

3