قوى معارضة في مصر تخرج على استحياء من عزوفها السياسي

أحزاب مناوئة للحكومة تقوي شوكتها محتمية بتمسك واشنطن بالتعددية والحريات.
الأحد 2020/12/27
نحو مزيد من الانفتاح السياسي

القاهرة - استثمرت بعض الأحزاب السياسية في مصر نجاح الرئيس الأميركي جو بايدن في الانتخابات، وبدأت تمارس نشاطا تدريجيا، حيث تدرك أن القاهرة مضطرة لفتح نوافذ في الفضاء العام، لذلك تستعد قوى حزبية لتقوية شوكتها والاستعانة بشخصيات قيادية ضمن قوام حزبي مترهل، بحكم الشعبية النسبية التي يتمتعون بها في الشارع.

وجرى اختيار البرلماني الشاب أحمد الطنطاوي، الجمعة، رئيسا لحزب الكرامة الناصري، والمعروف بأنه من أبرز معارضي الحكومة، واعتاد التفتيش وراء قراراتها، ودخل في صدامات معها طول خمس سنوات مضت، كان فيها عضو بائتلاف “25 – 30” المعارض تحت قبة البرلمان.

واستعان حزب التحالف الشعبي الاشتراكي بالنائب السابق هيثم الحريري، زميل الطنطاوي في الائتلاف البرلماني المعارض، ليكون عضوا فاعلا وذا تأثير في هياكل الحزب، وله دور في رسم الخارطة التي يسير عليها الحزب الفترة المقبلة.

يحمل توقيت هذه النوعية من التغييرات التي جرت في حزبين حتى الآن دلالة على وجود نية لدى قوى سياسية أخرى توظيف التحولات المرتقبة في السياسة الأميركية، التي لن تهمل ملف الحريات والتعددية في المنطقة، على غرار إدارة دونالد ترامب.

فريد زهران: فتح المجال أمام المعارضة يبدأ بالإفراج عن قيادات حزبية
فريد زهران: فتح المجال أمام المعارضة يبدأ بالإفراج عن قيادات حزبية

وقال طنطاوي، إن المناخ الحالي لا يسمح بممارسة العمل العام دون حصانة برلمانية، وما تحقق من المعارضة يتطلب الحفاظ عليه مع سد الحكومة أيّ منفذ لحرية الرأي، لذلك كان الخيار أن تكون الأحزاب بديلة عن الإقصاء من مجلس النواب، والانتقال من الحياة الفردية لأخرى أوسع في التأثير وتحقيق رغبات الناس.

خسر الطنطاوي والحريري في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لكن هناك توقعات بأنّ بعض أحزاب المعارضة سوف تتّجه لتوسيع دائرة استقطاب مناوئين للحكومة، مستفيدين من حاجة القاهرة لتوصيل رسائل للخارج توحي بأنها منفتحة سياسيا.

ويعيد هذا الاتجاه تشكيل المشهد في مصر، لأن الأحزاب التي يتجاوز عددها المئة حزب لم تكن لها أصداء أو تأثيرات، واعتادت الصمت والخوف، بينما انخرط آخرون في دعم سياسات الحكومة لتجنب الاستهداف، وصارت الأحزاب فاقدة للمصداقية.

وتدرك بعض الأحزاب أن الحكومة لن تتغافل عن التغيرات الدولية المنتظرة في ملف الديمقراطية، ما يدفعها للتعاطي بمرونة مع المعارضة، في ظل تقارير غربية متلاحقة تنتقد ملف الحريات وحقوق الإنسان في مصر.

وأكد محمد سامي رئيس حزب الكرامة المنتهية ولايته، وعضو الهيئة العليا حاليا، أن “الحكومة مطالبة بتغيير أسلوب دفاعها السياسي عن نفسها أمام الضغوط الخارجية فيما يخص ملف الحريات الشخصية والسياسية والحزبية”.

وأضاف لـ “العرب”، أن “مصر لديها من الزخم والكوادر والعقول السياسية ما يكفي لتكون دولة متحررة وخالية من العنف والمعارضة السرية، لكنها بحاجة لقرارات جريئة تسمح لها بالظهور على الساحة وممارسة عملها دون قيود”، لافتا إلى أن “المكابرة” والشعور بأن كل ما تفعله الحكومة هو الصحيح مؤشر خطر وسوف يحمل تداعيات سلبية على الدولة.

محمد سامي: مصر لديها عقول سياسية تجعلها خالية من المعارضة السرية
محمد سامي: مصر لديها عقول سياسية تجعلها خالية من المعارضة السرية

ويرى مراقبون أنه على الدوائر الرسمية في مصر الاقتناع بأن الظرف الاستثنائي الذي استخدمه النظام الحاكم لتبرير عدم الانفتاح، مثل الإرهاب، لن تستمر طويلا، لأن لذلك فترة صلاحية، وعلى الأحزاب أن تبادر من تلقاء نفسها بصناعة حالة سياسية تدفع الحكومة للقبول بالأمر الواقع.

وتوحي مشاركة قيادات بارزة في العمل الحزبي، بعد إخفاقها في دخول البرلمان، أنهم أصبحوا على قناعة بصعوبة استهدافهم وهم يحملون صفة حزبية رسمية، أو تطالهم اتهامات بالخيانة والعمالة كما حدث مع بعض الشخصيات التي قامت بالدور نفسه بشكل فردي، مثل النشطاء والسياسيين الذي مارسوا المعارضة بعيدا عن الغطاء الحزبي المحصّن بقوة الدستور.

وقد نالت بعض أجهزة الأمن من بعض الرموز الحزبية في الماضي القريب، لكن الحكومة تدرك الآن صعوبة تكرار المشهد في ظل متغيرات متسارعة.

وأعلن رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي، لأول مرة قبل أيام، عن توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسي له بضرورة التحول إلى دولة ديمقراطية مدنية حديثة، وهو التصريح الذي حمل بين ثناياه بداية إقرار بضرورة الانفتاح في المجال العام.

ويقول متابعون، إن وصول برلمانيين معارضين من الشباب ليكونوا ضمن القيادات في قوى حزبية ربما تكون مقدمة لإصلاحات قريبة في المشهد العام، لأن الكوادر الشبابية كانت محطّ ملاحقات وانتقادات من بعض وسائل الإعلام الحكومية، وهو ما تراجع مؤخرا، بل تعتزم الحكومة الإفراج عن مزيد من المعتقلين لأسباب سياسية.

ولفت فريد زهران رئيس الحزب المصري الديمقراطي، لـ”العرب”، إلى أن “فتح المجال العام أمام المعارضة ينطلق من إفراج الحكومة عن قيادات حزبية قابعة في السجون، لأن الناس تخشى مغبة العمل السياسي، وطالما استمرت المخاوف، ستظل الأزمة قائمة، رغم وجود إشارات رسمية إلى أن هناك تغيرات إيجابية قريبا”.

وبعض القوى الحزبية ليست على قناعة تامة بأن هذا الاتجاه كاف للتنبؤ بفتح كوة كبيرة، لكنها بداية على الطريق الصحيح، فأغلب الأحزاب في حاجة لتجديد الدماء من خلال كوادر لديها الحماس والجرأة والمغامرة على خوض معارك ضد الحكومة، بدلا من قيادات شاخت في مواقعها، واعتادت التماهي مع السلطة لتسيير مصالحها.

وغير متوقع أن يتم تحريك المياه في المشهد السياسي دفعة واحدة، وتتحول المئة حزب إلى معارضة حقيقية، ولها أنياب وأظافر، لكن وجود حزبين أو ثلاثة جادين يمهد للقيام بهذه المهمة، شريطة امتلاك خطة سياسية محددة وأهداف معلنة، تحقق طموحات الشارع وتتحدث بلسانه، وتمارس المعارضة بشكل يضمن لها الاستمرار ويجلب لها الظهير السياسي الذي يدافع عن مواقفها في مواجهة شراسة الحكومة.

ويشير معارضون، إلى أن أيّ معوقات إدارية تواجه الأحزاب قد تذوب حال قررت الحكومة الاهتمام بالملف السياسي بنفس القدر من الجدية التي تتعامل بها مع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ما يعني الكف عن مطاردة شخصيات حزبية باعتبارها تمثل خطرا على ما تحقق في مسار الإصلاح والتنمية، وعليها إدراك أن ضمان الحفاظ على المكتسبات يرتبط برفع الوعي السياسي، وليس العكس.

وتفرض المستجدات الراهنة على أحزاب المعارضة تغيير نبرتها واستقلالها، وتثبت قوتها ووضوحها، فالحكومة اعتادت التذرع بالتضييق لمنع استقطاب الإخوان لرموز المعارضة المدنية، كما أن القوى المختلفة عليها تفهم أن النظام بحاجة لمعارضة وطنية تعترض وتقدم البديل المناسب لتفريغ حجج البعض من مضمونها السياسي.

3