قيادة الإمارات للطاقة المتجددة في العالم

الأحد 2014/03/30

شهد قطاع الطاقة المتجددة إقبالا عالميا متزايدا خلال العقود الأخيرة، فبعد أن كان هذا القطاع يستقبل استثمارات تقدر بنحو 100 مليار دولار سنويا، في سنوات ما قبل “الأزمة المالية العالمية”، ارتفعت الاستثمارات المتدفقة إليه إلى ما يزيد على 250 مليار دولار سنويا في السنوات القليلة الماضية، بمعدل زيادة سنوي يقدر بنحو 25 بالمئة، فيما يؤشر إلى حجم الاهتمام العالمي بمصادر الطاقة المتجددة، والتحول إليها كبديل لمصادر الطاقة التقليدية، باعتبارها إحدى الآليات المهمة لإدراك أهداف استدامة التنمية، ومحاصرة الآثار البيئية السلبية للنمو الاقتصادي.

ولأن دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من الدول الأكثر اهتماما بإدراك التنمية المستدامة، وتعتبرها غاية رئيسية لعملها التنموي، وعنوانا يلخص محتوى رؤيتها المستقبلية “الوثيقة الوطنية 2021 لدولة الإمارات العربية المتحدة”، فهي من أكثر دول العالم اهتماما بالتحول إلى الطاقة المتجددة، وذلك على الرغم من أنها واحدة من الدول المهمة على الخريطة النفطية العالمية، التي كان من الطبيعي أن تكون استثماراتها موجهة إلى الطاقة التقليدية، لكنها خصصت ميزانيات سخية لقطاع الطاقة المتجددة على مدار عقود، وتجلّى ذلك بوضوح لدى إعلانها في نهاية 2009، نيتها استثمار نحو 500 مليار دولار في مشروعات الطاقة المتجددة خلال -2010 2015.

ولم يقتصر اهتمامها بهذا القطاع على ضخامة الاستثمارات في صورتها الكمية، بل تبنت الدولة مبادرات إبداعية لتجعل من نفسها نموذجا يحتذى على مستوى العالم، فحفزت الكثير من دول العالم على الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة، وتحولت، بحق، إلى دولة ذات دور قيادي في مسيرة التحول العالمي لطاقة المستقبل.

والدور القيادي الذي تحتله الإمارات في قطاع الطاقة المتجددة تتجلى ملامحه في العديد من المظاهر، يأتي على رأسها استضافتها المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة “آيرينا”.

ودولة الإمارات العربية المتحدة تعدّ الدولة النامية الوحيدة التي تستضيف مقر إحدى الوكالات الدولية الكبرى، بما يعنيه ذلك من مكانة دولية مرموقة، فإن كون “آيرينا” أول منظمة دولية تعنى بالطاقة المتجددة، وتعتبر مستودعا للأفكار “Think Tank” بها، وتهدف إلى تقديم الدعم لجميع دول العالم وتمهيد السبل أمامها لاستخدام الطاقة المتجددة بأسلوب مستدام، وتهتم بدراسة كل ما هو متوافر من أدوات متاحة لاستخدام الطاقة المتجددة حول العالم، لإدراك ما فيه صالح البشرية والإنسانية جمعاء، كل ذلك يزيد من قيمة الدور الذي تضطلع به الدولة في هذا المجال، خصوصا أنها توفر كل سبل الدعم المادي والفني والمعنوي اللازمة لإنجاح المنظمة الدولية في تحقيق أهدافها وغاياتها، إنفاذا لما قد تعهدت به منذ استضافتها الوكالة على أرضها بالعاصمة أبوظبي.

مدينة “مصدر” هي بدورها محطة تميز على مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة نحو ريادة قطاع الطاقة المتجددة العالمي، فالمدينة التي بدأ مشروع تنفيذها في عام 2006، والمخطط أن ينتهي خلال سنوات معدودة، هي من أكثر مدن العالم استدامة، وتعتبر مركزا صاعدا للطاقة المتجددة يعتمد بشكل كامل على الطاقة الشمسية مصدرا لجميع أشكال الطاقة التي يستهلكها، ويستخدم التقنيات النظيفة فيخلو تماما من الانبعاثات الكربونية والمخلفات الصلبة الملوثة للبيئة، ليقدم بذلك أنموذجا للتطوير العمراني الصديق للبيئة، ويغيّر طريقة تفكير البشر حول توليد الطاقة وتوزيعها واستهلاكها، ويمهد لفجر جديد لنهضة عالمية في مجال الطاقة النظيفة والمستدامة. ومدينة “مصدر” مبادرة متعددة الأوجه أيضا تقوم بدور صلة الوصل بين اقتصاد اليوم القائم على الوقود الأحفوري واقتصاد المستقبل المبني على أساس تطوير طاقة ذات بصمة خضراء لأسلوب حياة البشر، وفي اعتراف دولي بحقيقة الدور الريادي الذي تمثله مبادرة مدينة “مصدر” على الساحة الدولية، أشاد بان كي مون الأمين العام لمنظمة “الأمم المتحدة”، بالمدينة وبدورها العالمي، وكان ذلك أثناء زيارته لها، على هامش حضوره “القمة العالمية لطاقة المستقبل” في مطلع عام 2011، حيث قال حينذاك “تقدم “مصدر” للعالم صورة مشرقة لما سيكون عليه المستقبل، حيث تعكف على تطوير الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة، التي ستساعد في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، وتعزيز رفاه وصحة المجتمعات، وتعود بالفائدة على العالم أجمع".

وتابع: “أتيحت لي فرصة الاطلاع على الدور الرائد الذي تقوم به أبوظبي والنابع من رؤية ثاقبة يجري العمل على تحويلها إلى واقع فعلي، وتسرني الإشادة بجهود أبوظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة وتهنئتهم على هذه المبادرات المتميزة، وأنا على ثقة بأن تكنولوجيا المستقبل ستحقق الفائدة للبلدان كافة”.

تتعدد أيضا المبادرات الوطنية بما يضاعف أهمية الدور القيادي لدولة الإمارات العربية المتحدة في مجال الطاقة المتجددة ويزيده ثقلا، من خلال مشروعات توليد الطاقة بالاعتماد على المصادر المتجددة، سواء كانت مشروعات وطنية يتم إنشاؤها على أرض الوطن، أو مشروعات تشارك الدولة في إنشائها على أراضي دول أخرى، ومن أهم المشروعات الوطنية التي يمكن ذكرها في هذا الموضوع مشروع محطة “شمس 1"، وهي أكبر محطة للطاقة الشمسية المركزة في العالم، وتبلغ مساحتها نحو 2.5 كيلو مترا مربعا، وتنتج 100 ميجاوات من الطاقة الكهربائية.

وعلى صعيد المشروعات الخارجية، فلدولة الإمارات العربية المتحدة نقاط مضيئة على خريطة الطاقة المتجددة العالمية، ويأتي على رأسها مشروع “مصفوفة لندن” لطاقة الرياح، الذي نفذته شركة “مصدر” الإماراتية بالتعاون مع الحكومة البريطانية وشركات عالمية أخرى، كما تتعدد المشروعات لتشمل محطات “خيماسولار” و”فالي 1" و”فالي 2" للطاقة الشمسية المركزة في أسبانيا... وجميعها مشروعات تجسد اهتمام دولة الإمارات بتعزيز انتشار حلول الطاقة المتجددة في أنحاء العالم.

“القمة العالمية لطاقة المستقبل” حلقة أخرى من حلقات التميز للدور الرائد والقيادي لدولة الإمارات العربية المتحدة في قطاع الطاقة المتجددة العالمي، فمنذ أن بدأت هذه القمة في الانعقاد في دورتها الأولى في يناير 2008 تستضيفها العاصمة أبوظبي، لتمثل منصة عالمية لمناقشة القضايا العالمية المحورية في هذا القطاع، إذ يشارك في فعالياتها حشد عالمي كبير من رؤساء الدول ومتخذي القرار والعلماء والأكاديميين والتخصصين في هذه القضايا الحيوية، بل إن حرص الدولة على توفير جميع أشكال الدعم لهذه القمة، وتسخير خبرتها الكبيرة سواء في مجال الطاقة المتجددة والاستدامة أو في مجال استضافة الفعاليات الدولية الكبرى، كان ذلك سببا في جعل هذه القمة الآن هي الحدث العالمي الأبرز، ليس فقط في قطاع الطاقة المتجددة، ولكن في قضايا البيئة والاستدامة بشكل عام، فيما أكسب الدور الإماراتي القائد لقطاع الطاقة المتجددة العالمي المزيد من الزخم.

3