قيادة الولايات المتحدة للعالم تتآكل في عصر ترامب

فشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد مرور عام على تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة، في الحفاظ على دور واشنطن في القيادة العالمية ونظام القطب الواحد الذي ساد العالم منذ انهيار جدار برلين، واعتمد ترامب سياسة عدوانية في ملفات شائكة كالأسلحة النووية الكورية، وهي سياسات تهدد باندلاع صراعات نووية في أي لحظة، كما قوضت مواقفه العنصرية في قضايا الهجرة والعلاقة بالمسلمين صورة الولايات المتحدة الفريدة في احتوائها لجميع الأطياف. وأثار مبدأ “أميركا أولا” قلق الحلفاء غير أنه أسعد خصوم واشنطن لجهة يقينهم بأن انعزالية ترامب ستؤدي إلى تآكل ريادة بلاده العالمية، وفي الوقت الذي بات فيه حلفاء الولايات المتحدة قلقين من مدى التزامه بحماية أمنهم، بعد أن أضر ترامب بمصداقية بلاده وتلويحه المستمر بالتراجع عن الاتفاقيات الدولية، تنتقل حالة القلق إلى الداخل الأميركي باحتجاجات مناهضة لسياسات الرئيس الأميركي في ذكرى تنصيبه، الأمر الذي قد يهدد مستقبل ترامب الرئاسي.
الاثنين 2018/01/29
سياسة ترامب قادت إلى عزلة الولايات المتحدة

بعد عام واحد فقط على تنصيب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة صارت أميركا تعاني بالفعل من نكسة مقلقة لدورها القيادي العالمي وتضررت صورتها كثيرا. ونجح ترامب خلال فترة قصيرة من الزمن في إرباك أصدقائنا وحلفائنا، وتكثيف العداوة بيننا وبين خصومنا، وإثارة الخوف والقلق وعدم القدرة على استشراف المستقبل، وهذا كلّه يفزع المجتمع الدولي.

لا أستطيع أن أتخيل مدى الزيادة في تراجع سمعة الولايات المتحدة حيث أنّ عددا متزايد من البلدان -بما في ذلك حلفاؤنا- قد سلّمت بتراجع دور أميركا القيادي تحت سمع وبصر ترامب، الأمر الذي ستكون له ارتدادات سلبية كبيرة على مصالحنا الوطنية والتأثير في جميع أنحاء العالم.

إن شعار ترامب “أميركا أوّلا ” والتخلي عن قوتنا اللينة، والألفاظ المتهورة التي يتفوّه بها قد أثارت قلقا عميقاً في البلدان التي لها علاقات قوية مع الولايات المتحدة وأغضبت أولئك الذين تعرضوا لخطاباته المستهجنة وأسعدت خصومنا، في حين تركت الولايات المتحدة معزولة بشكل متزايد.

سياسة عداونية

في ما يتعلق بمسألة الأسلحة النووية الكورية الشمالية والصواريخ المضادة للقذائف الباليستيّة، فإنه بدلا من إشراك بيونغ يانغ في الدبلوماسية الهادئة لحل الصراع، لجأ ترامب إلى الخطابات العدوانية والتهديدات التي أدّت فقط إلى زيادة التوترات، وجعلت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية أقرب من أيّ وقت مضى لكارثةٍ لا يمكن تصورها؛ أي حرب نوويّة.

أما بخصوص صفقة إيران النووية، فبدلاً من أن يحاول ترامب التفاوض سلميّا على أي تغييرات، وخاصة على شروط الصفقة التي تحدّد زمنيّا نقطة التوصّل إلى بطلان الصفقة، قام بإلغاء اعتماده للاتفاق وهدّد باستئناف العقوبات القديمة وفرض عقوبات جديدة، الأمر الذي من شأنه أن ينسف الاتفاقية كليّا.

وطالب الكونغرس الأميركي بتعديل الصفقة على الرغم من أن الدول الخمس الأخرى الموقعة على الاتفاق رفضت بشدة العبث بالصفقة بسبب استمرار التزام إيران التام بها.

وترفض طهران أية تغييرات وهدّدت بالانسحاب من الصفقة واستئناف برنامجها النووي، مما قد يؤدي إلى انتشار الأسلحة النووية وإخضاع سكان المنطقة للعيش في ظلال الصراعات النووية.

وفي ما يتعلق بالهجرة، فإن موقف ترامب العنصري تجاه المسلمين والشعوب “الملوّنة” قوّض بشدة صورة الولايات المتحدة الفريدة كبلد هجرة جعلت منه دولة عظيمة في المقام الأول.

وأثار تعليقه على أفريقيا وهايتي والسلفادور بوصفها بلدانا “قذرة” غضباً دوليّا لم يسبق له مثيل، فقد تم استدعاء عشرات السفراء الأميركيين في جميع أنحاء العالم لشرح ما لا يمكن تفسيره وعجز السفراء أنفسهم عن فهمه. فلماذا يتلفّظ رئيس الولايات المتحدة بمثل هذه القذارة، وفي البيت الأبيض؟

لقد وصف حاكم ماساتشوستس السابق مت رومني الأمر ببلاغة عندما قال “ما قاله ترامب جعل العنصريين يهلّلون فرحا، والأقليات تبكي، وقلب أميركا الواسع يحزن”.

وفي ما يخص المعاهدات والاتفاقيات الدولية، تجاهل ترامب تماما التزامه بالارتقاء إلى هذه الاتفاقيات ويصر على إعادة التفاوض بشأن شروط اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية، وانسحاب واشنطن بشكل فعال من عقد الشراكة عبر المحيط الهادئ (الذي يربط الأميركتين بآسيا وأستراليا).

لقد سحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس بشأن المناخ ومن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) واتهمها بانحيازات معادية لإسرائيل.

وبذلك ألحق ترامب ضررا شديدا بمصداقية الولايات المتحدة مما جعل العديد من البلدان حذرة من الدخول في اتفاقات ثنائية مع الولايات المتحدة، حيث لم يعد بإمكان هذه البلدان أن تثق في إدارته للوفاء بالتزاماتها. وهذا يترك فجوة واسعة لأعدائنا لملء الفراغ الذي خلقه.

مت رومني: ما قاله ترامب جعل العنصريين يهللون فرحا، وقلب أميركا الواسع يحزن

لقد صدم ترامب جميع الديمقراطيات في مختلف أنحاء العالم بهجومه المتواصل على الصحافة. وعلى الرغم من أن عددا قليلا من أسلافه نبذوا الصحافة في بعض الأحيان، إلا أن أيا منهم لم يرتكب مثل هذا الانتقاد الخسيس. إنه يتهم وسائل الإعلام (باستثناء فوكس نيوز) بأنها عدو الشعب، مدعيا أنها منحازة وتنشر “أخباراً كاذبة” للإضرار به بشكل مقصود والسخرية من مبادراته السياسية.

ومن المؤسف أنه في حين كان يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها منارة الحرية والديمقراطية، فإن ترامب يقوّض -عن وعي- إحدى ركائزنا المركزية الدستورية، ألا وهي الصحافة الحرة، بصورة تخيف بشكل مطلق الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم.

فجوة واسعة مع الحلفاء

وفي ما يتعلق بمسألة مصداقية الولايات المتحدة، فإن العديد من الدول التي تعتمد عليها لحماية أمنها القومي تشعر بالقلق إزاء التزام ترامب الحقيقي بحماية أمنها.

إن انتقاده لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي يعتبر أساس أمن أوروبا الغربية، واسترضاءه لروسيا التي تعتبر الخصم الأقوى في الغرب، يثيران تساؤلات حول الموقف الذي سيتخذه ترامب إذا تعرض الحلف للتهديد.

وهذا القلق يعرب عنه حلفاؤنا في الشرق الأوسط وأوروبا، مما يزيد من تقليص دور الولايات المتحدة؛ لقد أعربت مثلا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن شكوكها قائلة “إن الزمن الذي كنّا نتمكّن فيه من الاعتماد على الغير بشكل كامل قد إجتازنا بمرحلة… يجب علينا نحن الأوروبيين أن نأخذ مصيرنا بأيدينا… يجب علينا أن نعلم أن علينا أن نكافح من أجل مستقبلنا بمفردنا، لمصيرنا نحن كأوروبيين”.

وحقيقة أن ترامب يكذب بالقدر الذي يتنفّس فيه تقلق بعمق شديد البلدان في جميع أنحاء العالم لأنها لم تعد قادرة على أخذ كلمته كمسلّم بها ومضمونة في القضايا ذات الأهمية الكبرى بالنسبة لها.

ويبدو أن ترامب غافل تماما عن حقيقة أنه بدون القيادة الأميركية الدولية التي تمتد على مدى سبعة عقود، فإن العالم سيكون أكثر فوضى مما هو عليه اليوم. فليس لدى ترامب استراتيجية نهائية لسوريا والعراق وأفغانستان، ويفتقد إلى التركيز والاهتمام في مسألة القضاء على الصراعات العنيفة واسعة النطاق والمزعزعة للاستقرار، وأيضا في مسألة انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

ومن المحزن أنه في استطلاع غالوب الأخير حول “تصنيف قادة العالم”، تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثالثة خلف ألمانيا والصين (وأمام روسيا مباشرة). فالأضرار التي ألحقها ترامب بالمصداقية الأميركية والقيادة الأخلاقية العالمية لن يتم إصلاحها بسهولة بعد انتخاب رئيس جديد، وسوف يتطلب الأمر وقتا طويلا ورئيسا يتمتع بالاستقرار والمهارات السياسية والكفاءة الذهنيّة مع رؤية وفهم الدور المحوري للولايات المتحدة على الساحة الدوليّة قبل أن تستعيد واشنطن قيادتها الدولية.

لقد أصبح الحزب الجمهوري متواطئا مع أفعال ترامب وسياساته المضللة. والآن أصبح لزاما على الديمقراطيين التضامن معا واستعادة السيطرة على مجلس النواب ومجلس الشيوخ ووضع قيود على ترامب قبل أن يسبب ضررا لا يمكن إصلاحه لدور الولايات المتحدة العالمي ومسؤوليتها الدولية.

أستاذ العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدولية بجامعة نيويورك

7