"قيامة الروح" لثائر الناشف رواية المنسيين على مذبح الحرية

الكاتب السوري يجسد فكرة الصراع بين الحرية والاستبداد من جهة، والصراع بين البقاء والتغيير من جهة أخرى.
السبت 2019/03/16
ثائر الناشف يتناول بجرأة العقد والانحرافات الجنسية في روايته الأخيرة

دمشق - يحكي الكاتب السوري ثائر الناشف في روايته الأخيرة بعنوان “قيامة الروح” عن الحراك الشعبي الذي شهدته المدن السورية في مطلع عام ألفين وأحد عشر. حيث يرصد النص اللحظات الأولى لتصاعد الحراك في سوريا من خلال المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات، ويعكس حوار الشخصيات تنامي الصراع أثناء عمليات الاعتقالات، والخطف والتعذيب والتي تطورت لاحقا إلى العنف المسلح، وتكللت بظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة.

كما يسلط الضوء على المرحلة التي سبقت الحراك في سوريا من خلال تجربة المنفى التي مرّ بها كاتب الرواية، وقادته إلى الخروج القسري من سوريا قبل ثلاثة عشر عاما.

تتألف الرواية من أربعين فصلا قسمها الناشف إلى خمسة أجزاء، حيث تكمل الفصول بعضها البعض في إطار سردي تسلسلي يعرض لأدق التفاصيل الحياتية والانفعالات النفسية بكل أوجهها المتناقضة.

لا يتمحور النص حول شخصية بعينها، نظرا إلى كثافة الأحداث التي شهدتها سوريا في تلك الحقبة، بل يعرض لأكثر من شخصية حيث تقف جميعها في متن النص وتلتقي على أرضيته، راسمة بحوارها وحراكها وصراعها مضمون الرواية.

وعلاوة على الوضع العام الذي شهدته سوريا تعرض الرواية مشاهد سردية مفصلة لطبيعة العنف الأسري والمجتمعي والمدرسي المصحوب بنماذج شتى من القهر النفسي الذي أدى إلى اندلاع موجة الاحتجاجات العارمة، والتي عرفتها سوريا كجزء من حركة الاحتجاجات العربية.

انفعالات نفسية بكل أوجهها المتناقضة
انفعالات نفسية بكل أوجهها المتناقضة

وهنا تبرز جرأة التناول في عرض الكاتب الدقيق والمفصل للعقد والانحرافات الجنسية التي تظهر خاصة عند رجال الأمن؛ والتي انعكست انعكاسا واضحا في سلوكهم القاسي من خلال استخدامهم المفرط للقوة أثناء كبح الاحتجاجات.

أمّا القضية الأبرز التي تطرق إليها الكاتب في روايته الطويلة، والتي امتدت على ما يناهز 460 صفحة، فهي قضية تأثير الخطاب الديني على مسار الاحتجاجات في سوريا من خلال إبراز دور بعض رجال الدين على الأجواء الحماسية، وتوظيف الشعارات الثورية بخطابات انتقامية، وهو ما ظهر بوضوح عند التيارات الإسلامية المؤدلجة كالإخوان والسلفيين الذين لعبوا دورا كبيرا في استغلال الحراك السوري، وحرف مسار الاحتجاجات السلمية عن مسارها المدني، وتحويلها إلى المسار المسلح.

كما يخوض النص في أعماق النفس البشرية، وذلك عن طريق اعتماد الكاتب على أسلوبي الكشف التاريخي لماضي الشخصيات، والتحليل النفسي لانفعالاتها وعُقدها الجنسية، فيقدم نماذج شتى من النرجسية المتأصلة والأنانية المفرطة في صلب الشخصية السورية سواء الموالية للسلطة أو المعارضة لها، كنتيجة نهائية، ومحصلة حتمية لتأثير الأيديولوجيتين القومية البعثية بخطابها التخويني الإقصائي، والدينية بخطابها الفئوي التكفيري الإلغائي.

وانطلاقا من هذا الكشف الدقيق لجوهر الشخصية السورية، فإن النص يعالج أيضا أنماطا من العقلية السورية، سواء كانت عقلية السلطة أو عقلية المعارضة، فيعرض لموقفيهما المتناقضين من قضية الاحتجاجات، ويطرح في هذا الصدد سؤالا معقدا وفقا لسمات العقلية السورية المشبعة بنظريات المؤامرة المستقدمة من زمن المد القومي.

“هل ما حدث في سوريا ثورة أم مؤامرة؟ وهل كانت الثورة مؤامرة دولية نسجت خيوطها الرفيعة في السراديب المعتمة أم أنها نزعة جماهيرية عفوية؟

 إن نص هذه الرواية لا يتمحور حول شخصية بعينها، فأبطالها في الواقع هم المحتجون الحقيقيون الذين بذلوا أرواحهم ودماءهم في سبيل تحقيق أحلامهم التي سبقتهم إليها شعوب أخرى، كما أن “قيامة الروح” تميط اللثام عن الشخصيات التي اتخذت موقفا مناهضا للمحتجين وأوغلت في مواجهتهم وتعقبهم، فبدت الرواية كما لو أنها تجسد فكرة الصراع بين الحرية والاستبداد من جهة، والصراع بين البقاء والتغيير من جهة أخرى.

أمّا اللغة التي اعتمدتها الرواية في حوار الشخصيات فهي اللغة العربية الفحصى، دون أن تخلوا كذلك من الإشارات الصغيرة إلى بعض المفردات السورية الدارجة في اللهجة المحلية، وخاصة في ما يتعلق بنمط الشعارات والألفاظ الدارجة في الخطاب الشعبوي الذي ظهر بوضوح عند أفراد الطبقتين المؤيدة والرمادية التي كانت نتاجا طبيعيا لصناعة السلطة، فيما ظهرت عند المحتجين من خلال الأغاني والأهازيج الشعبية.

أخيرا لا يمكن القول إن هذه الرواية موجهة لفئة بعينها من الشعب السوري، بل إنها تعرض لصراعات الفريقين على حد سواء؛ المؤيد للسلطة بشعاراته وخطاباته المؤدلجة، والمعارض لها ضمن مسار الاحتجاجات بهتافاته الشعبية وأغانيه الحماسية.

ونذكر أن رواية “قيامة الروح” قد صدرت حديثا عن دار أوراق للنشر والتوزيع وصمم لوحة غلافها الفنان السوري ديلاور عمر.

15