قيثارة الغناء العربي

الاثنين 2017/10/30

ليلى مراد من أعذب الأصوات التي انسابت كالماء الرقراق في فترة زمنية خصبة جادت بالكثير من الأصوات والمواهب الراقية، ورغم تزاحم الأصوات إلا أن ليليان مراد زكي موردخاي الفتاة اليهودية الإسكندرية النحيفة استطاعت أن تشق طريقها وسط هذه الكوكبة الرائعة التي ذخرت بها مصر في ذاك الوقت.

بدأت حياتها الفنية في عامها الرابع عشر تشدو على ألحان والدها الملحن زكي مراد، كانت نحيفة وتبدو أصغر من عمرها بكثير فاضطرت والدتها إلى وضع تفاحتين في صدرها وفصلت لها فستانا أسود لتبدو شابة يافعة، إلا أن صوتها الجميل جذب إليها الأنظار ولم ينتبه أحد لحيلة التفاح تلك!

سافر والدها للعمل في الخارج هربا من الظروف المادية القاسية، انقطعت أخباره تماما واضطرت للتعلم في القسم المجاني من رهبانية نوتردام ديزا بوتر بحي الزيتون بوسط القاهرة ثم اضطرتها الظروف الأسرية الضاغطة للعمل في الحفلات قبل الإذاعة المصرية، إلى أن كان لقاؤها بالفنان محمد عبدالوهاب لقاء فارقا في حياتها الفنية والأسرية وتحسنت أحوال الأسرة المالية نوعا ما.

أثرت المكتبة الفنية بحوالي 1200 أغنية و27 فيلما بدأتها بفيلم “يحيا الحب” مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وكان آخرها “الحبيب المجهول” ومن أشهر محطات حياتها الفنية تلك الفترة الثرية من حياتها السينمائية مع زوجها المنتج والمخرج والممثل الوسيم أنور وجدي، الفنانة الوحيدة بخلاف إسماعيل ياسين التي ذخرت السينما بسلسلة أفلام باسمها، ليلى بنت الفقراء، ليلى بنت الأغنياء، ليلى بنت أكابر، ليلى بنت مدارس، ليلى في الظلام..

كنت في الجامعة أتدرب على العمل الصحافي ولي يومان إسبوعيا للقراءة في الأرشيف وكان ورقيا في الطابق المسحور بجريدة الأهرام فأذهب للقراءة، وبدلا من أن أطالع التحقيقات وأجمع المعلومات “التي لم تكن سهلة ومتاحة بغير البحث الدقيق في الأوراق”، أجدني تارة أتناول الكتب وقصاصات الجرائد عن قيثارة الغناء العربي ليلى مراد، وتارة أخرى أذهب لأرشيف دار الهلال للقراءة عنها.

كنت أحلم بكتاب يجمع اسمي واسمها معا في تعانق لم يجد به علي الزمن، أحببتها من حكايات جدتي عنها، وحزنت وبكيت كثيرا من طلاقها الغريب من أنور وجدي حين علمت السبب الحقيقي وخيانته لها مع الفرنسية لوسيت، وكيف كشفت ليلى الخيانة بذكاء شديد حين ذهبت إلى البناية التي يلتقي بها العاشقان، تخفت في زي امرأة شعبية، ترتدي ملاية لف ومنديل رأس، سألت الحارس عن شقة “سي أنور” بزعم أنها غسالة جاءت للاتفاق على العمل، وحين سمعت صوت زوجها يضاحك عشيقته الفرنسية، آثرت عدم فضح الأمر حفاظا على سمعتها وسمعته، نزلت إلى الجراج تنتظره في سيارته الكاديلاك الفارهة، وما أن رآها حتى صدم لكنها كانت في قمة الرقي في التعامل مع الموقف الحساس، تحدثت مع الفرنسية الناعمة عن بلدها وسألتها “هل أعجبتك مصر؟”.

حين وصلت السيارة إلى منزلهما سلمت عليها بحرارة وطلبت من السائق أن يعود بالفرنسية الحسناء إلى الشقة التي تلتقي فيها بأنور، صعدت إلى بيتها هادئة دخلت غرفة نومها، وفي الصباح جمعت ملابسها وذهبت في هدوء. لم تعاير زوجها بأنها تميمة حظه وأنها ساندته كثيرا وقدمته كمخرج للمرة الأولى، لم تمن عليه بوقوفها إلى جانبه في بداياته الصعبة، تصرفت تصرفا راقيا مهذبا.

أتساءل ماذا إن كانت ليلى بهذه العقلية الواعية وقمة نضجها الإنساني تعيش بيننا الآن؟، أرى وأشاهد وأقرأ يوميا فضائح كثيرة تقودها نساء ضد أزواجهن لأسباب غاية في التفاهة، صراعات تقودها نسوة تكشف عن تدني أخلاقي، صور باهتة لحياة زوجية كئيبة تنتهي بفضائح لا حصر لها، تراشق وتلاسن، وشجار ربما ينتهي بخلع ورقة التوت عن الآخر لتجريسه أمام الآخرين، متناسين أن هذا الآخر سواء كان الزوج أو الزوجة هو شريك عمر وذكريات لا يجوز الإفلات منها مطلقا.

حتى في الفن تدعونا قيثارته إلى المزيد من التساؤلات، ماذا لو كانت بيننا الآن، هل تقبل بغناء ركيك؟

كاتبة مصرية

21
مقالات ذات صلة