قيد أنملة عن الغرور

رونالدو الذي كان بحق أبرز نجوم دوري الأبطال خلال الموسم الماضي بعد تسجيله 15 هدفا بالتمام والكمال، من بينها هدف خرافي في مرمى فريقه الحالي اليوفي، ربما كان يستحق الجائزة، لكن مودريتش أيضا يستحقها، وعن جدارة.
الأحد 2018/09/02
تواضع قليلا يا "دون"

علم كريستيانو رونالدو اللاعب الأسطوري السابق لريال مدريد والنجم الحالي ليوفنتوس أنه لن يكون عريس سهرة التتويجات الخاصة باللاعبين الناشطين في أوروبا، فغاب عن الحفل دون إعلام أو تنبيه مسبق.

غاب رونالدو، لأنه يعلم أنه لن يكون المتوج مرة أخرى، لقد أخبره معاونوه أن كل الشكوك تؤكد أن جائزة اللاعب الأفضل أوروبيا خلال الموسم الماضي لن تكون له، بل لزميله السابق في الفريق المدريدي ذلك الكرواتي المتألق لوكا مودريتش.

لم يختلق رونالدو الأعذار، بل غاب دون سابق إنذار، بالمقابل حضر كل المرشحين لنيل إحدى جوائز الاتحاد الأوروبي، حضر صلاح مثلا وحضر أغلب زملاء رونالدو السابقين، فما ضرك يا “دون” لو كنت أحد نجوم السهرة وكان أحد أصدقائك العريس؟

بيد أن رونالدو أبى إلاّ أن يسير عكس الدرب، اختار كعادته في بعض المناسبات أن يكابر ويتمنع ويرفض أن يكون ضمن المهنئين بمن استحق من وجهة نظر هؤلاء الفنيين والمختصين جائزة الأفضل، فآثر البقاء في إيطاليا تاركا الجميع في حيرة، يتملكهم الاستغراب من هكذا تصرف مستفز قد ينّم ولو دون أي قصد عن أنانية وحب مفرط للذات.

بيد أن الاستفزاز الأقوى صدر عن بعض المقربين والمحيطين من النجم البرتغالي الأسطوري، فهذا خورخي مينديز وكيل أعمال رونالدو يدلي بدوله ويقول إن منح الجائزة لمودريتش وليس لرونالدو مثير للسخرية، فلماذا لم تتكلم السنة الفارطة عندما تم منح الهداف السابق للريال هذه الجائزة؟ لماذا مدحت هذا الهيكل الأوروبي، وشكرت كل من منح ثقته لرونالدو؟

طيب، وهل أنت خبير رياضي أو لاعب دولي سابق أو فني محنك يشار إليه بالبنان حتى تنتقد من سلّم مودريتش الجائزة؟ ربما كان يتعين على مينديز أن يعرف حدود عمله واختصاصه، أنت قد تكون “أعظم” وكيل أعمال لاعبين لأحد “عظماء” اللعبة في زمننا الحديث، لكن هذا الأمر لا يمنحك البتة الإذن بتقييم قواعد إسناد هذه الجائزة لمودريتش.

لم يسلم الاتحاد الأوروبي من نقد شقيقة رونالدو، لقد تركت كل شواغلها واهتمامها لتصبح بقدرة قادر مختصة في التقييم والتحليل وتقديم إحصائيات ومعطيات تريد من خلالها التشكيك في أحقية مودريتش لهذه الجائزة، إنه لعمري أمر مستفز لا يأتي إلاّ من قلوب متغطرسة ومغرورة.

هنا بالضبط يكمن الفرق بين التواضع الممزوج بالثقة والكبرياء من جهة، والغرور الذي يدفع صاحبه كي يكون حاسدا متكبرا من جهة أخرى، فرونالدو الذي كان بحق أبرز نجوم دوري الأبطال خلال الموسم الماضي بعد تسجيله 15 هدفا بالتمام والكمال، من بينها هدف خرافي في مرمى فريقه الحالي اليوفي، ربما كان يستحق الجائزة، لكن مودريتش أيضا يستحقها، وعن جدارة.

لقد كان موسمه الماضي مدهشا ساحرا مليئا بالإثارة والقوة والتوهج، كان بحق أحد أفضل اللاعبين في هذه المسابقة الأوروبية المجيدة، كان شاهدا على العصر في رحلة السنوات الثلاث التي تمكن خلالها الريال من الحصول على كأس دوري الأبطال بصفة متتالية.

كانت بصمته في أداء الريال منذ انضمامه للفريق قادما من توتنهام واضحة وجلية، كان نجما رائعا ومميزا ورمانة ميزان وسط الميدان الريال، عدة أهداف سجلها رونالدو كان وراءها “بيليه الأبيض”.

لم يتوج على المستوى الفردي في السنوات الماضية، فهل تكلم أو تألم؟ لا لم يفعل ذلك بالمرة، بل كان في أغلب الأحيان أول المهنئين لرونالدو الذي استأثر في الموسمين الأخيرين بأغلب الجوائز الفردية التي يمنحها الاتحاد الأوروبي أو الاتحاد الدولي “الفيفا” أو مجلة “فرانس فوتبول”، لقد استحق رونالدو كل جائزة نالها في السابق.

لكن في الموسم المنقضي قدم من ينافسه بكل قوة، برز لاعبون جدد بدؤوا يتطاولون ويتجرؤون من أجل سحب البساط من تحت قدمي “صاروخ ماديرا”، من بينهم طبعا هذا الكرواتي المتألق لوكا مودريتش.

إنه موسم المونديال يا رونالدو، موسم طويل وشاق للغاية، موسم شهد نجاح الريال أوروبيا وإخفاقه محليا، فهل تكلم ميسي مثلا بعد عدم ترشيحه لنيل هذه الجائزة رغم أهدافه الغزيرة في “الليغا” الموسم الماضي؟ وهل احتج المصري محمد صلاح رغم موسمه اللافت مع ليفربول؟ طبعا لا، فأغلبهم يريد الظفر بهذه الجائزة، ولكن متى تحصل عليها لاعب آخر يتقبلون الأمر بكل روح رياضية.

فلماذا أنت والمقربون منك لم تتقبلوا تتويج مودريتش بهذه الجائزة التي لا يمكن أن تصل قيمتها المعنوية إلى الجائزة التي تسندها سنويا مجلة فرانس فوتبول؟

فمودريتش توج مثلك مع الريال في المسابقة الأوروبية، ومودريتش كان أداؤه خرافيا سواء مع الفريق أو منتخب بلاده خلال منافسات كأس العالم، هو بلغ نهائي المونديال وتوج بجائزة أفضل لاعب في تلك البطولة، أما أنت يا رونالدو فغادرت مع منتخب بلادك المسابقة مبكرا، فلماذا تستكثرون على الكرواتي هذه الجائزة؟

الإجابة طبعا هي تلك الطباع السيئة، فالغرور عدو صاحبه، والكبرياء الزائف لا يؤدي سوى إلى الحسد، فتواضع قليلا يا “دون”، ولترسل بطاقة بريدية أو إرسالية قصيرة، تهنئ فيها زميلك السابق، حينها ربما يمكن أن تبتعد عن الغرور بمسافة أكبر من “قيد أنملة”.

23