قيس سعيّد يحرج اتحاد الشغل بشروط الحوار الوطني

المنظمة النقابية تستجيب لطلب الرئيس بإشراك الشباب في الحوار تجنبا للصّدام.
الثلاثاء 2021/01/12
تفاؤل حذر بمصير الحوار الوطني

بدأت معالم الحوار الوطني المزمع إجراؤه في تونس تتوضح إثر إعلان اتحاد الشغل، المركزية النقابية في البلاد، عن الآليات التي سيتم اعتمادها لضمان مشاركة الشباب في هذا الحوار، في خطوة تستهدف إزالة العقبات التي جعلت شبح فشل هذا الحوار يخيم على المشهد قبل حتى بدايته بعد تمسك الرئيس قيس سعيد بمشاركة الشباب واستمرار التجاذبات السياسية بشأن هذا الاستحقاق.

تونس - كشف توصل الاتحاد العام التونسي للشغل، المنظمة النقابية ذات التأثير القوي في البلاد، إلى المعايير والصيغة التي ستضمن مشاركة الشباب في الحوار الوطني، عن مساعي المنظمة لتذليل العقبات لإنجاح الحوار وتَجنّب بوادر صدام مع الرئيس قيس سعيّد الذي أبدى موافقة مشروطة بحضور ممثلين عن الشباب من كل الجهات في الحوار المرتقب.

وأوضح الناطق الرسمي باسم الاتحاد العام التونسي للشغل، سامي الطاهري، في تصريحات أوردتها وكالة الأنباء الرسمية، الأحد، بأن “آلية تشريك الشباب في الحوار الوطني المرتقب تنظيمه قريبا ستحتكم إلى تمثيل هذه الفئة العمرية ضمن الوفود المشاركة من المنظمات والأحزاب”.

 واعتبر الطاهري أن “تشريك الشباب في الحوار المزمع تنظيمه بإشراف رئاسة الجمهورية إجراء مهم”، لافتا إلى أن “الهدف من الحوار هو إرساء الديمقراطية الاجتماعية بما يؤدي إلى تحقيق طموحات الشعب في الشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية”.

وبعد منحه الضوء الأخضر في نهاية ديسمبر الماضي، للبدء في ترتيبات الحوار الوطني في مسعى لإيجاد حلول للأزمة التي تواجهها البلاد، دعا الرئيس التونسي إلى مشاركة الشباب في أشغال الحوار الذي ستشارك فيه بموازاة ذلك أحزاب ومنظمات من كل مناطق البلاد بهدف “تصحيح مسار الثورة التي انحرفت عن أهدافها بعد عقد من اندلاعها”.

 ويهدف الحوار، حسب الرئاسة التونسية، إلى إقرار إصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية، بينما تشهد البلاد موجة احتجاجات في العديد من المناطق منددة بسوء الخدمات العامة والتهميش وتفشي البطالة والفساد.

 ويتساءل متابعون عمّا إذا كانت الدعوة لتشريك الشباب تأتي في إطار التنسيق مع الرئيس، أو محاولة لفرض الأمر الواقع عبر إصرار المنظمة على تجاوز المطبات التي فرضتها شروط الرئاسة بعد ترددها في قبول مبادرتها، وذلك لضمان فرص أكبر لنجاح الحوار.

 ويعتقد هؤلاء المتابعون أن وضع سعيّد لشروط من ضمنها مشاركة الشباب دون توضيح معايير ذلك، من شأنه أن يحرج الاتحاد.

عربي الجلاصي: السؤال يتمحور حول آليات تشريك الشباب في الحوار الوطني
عربي الجلاصي: السؤال يتمحور حول آليات تشريك الشباب في الحوار الوطني

 ورغم التوافق والتناغم في المواقف بين الرئاسة واتحاد الشغل، منذ انطلاق الدعوات لإجراء حوار وطني، في ما وصفه المراقبون بأنه حوار على مقاس الرئيس والحزام الثوري الذي يدعمه في البرلمان في مواجهة مناورات خصوم الرئيس أي الترويكا الحاكمة (النهضة، قلب تونس وائتلاف الكرامة)، إلا أن تردد سعيّد في قبول المبادرة أثار مخاوف الاتحاد.

 ويرى هؤلاء أن سعيّد يحاول استثمار مبادرة الحوار لتوجيه رسائل إلى فئة الشباب التي ساهمت في صعوده إلى سدة الحكم في انتخابات 2019 بأنه لن يتخلى عن وعوده السابقة في حقهم، وذلك بضمان تشريكهم في الشأن العام.

ويأتي إصرار سعيّد على مشاركة الشباب من خارج الأحزاب، تماشيا مع ما بات يطلق عليه في تونس بـ”التنسيقيات الاجتماعية” التي سبق وأن روج أن الرئيس يقف وراءها، في إطار مشروعه السياسي الذي برزت معالمه منذ حملته الانتخابية، والذي يراهن فيه على تراجع دور الأحزاب والمنظمات مقابل صعود التنسيقيات الداعمة له على خط المفاوضات والأزمة السياسية.

ومع ذلك، يحاول الاتحاد التغلب على التحديات لإنجاح الحوار الوطني، خاصة وأنه يحظى بثقة طيف واسع من الشارع وأبرزها الطبقة الشغيلة.

واعتبر عصام الشابي، الأمين العام للحزب الجمهوري، أن “توصل الاتحاد إلى صيغة لتشريك الشباب في الحوار، تأتي لإزاحة آخر العراقيل أمام انعقاده”.

 وأشار الشابي في حديث لـ”العرب”، إلى أن “تشريك الشباب لم يطرح إلا بعد أن اشترط الرئيس ذلك”. وحسب رأيه، تم الاهتداء إلى صيغة مشاركة الشباب لتجاوز الصعوبات خلال اللقاء الأخير بين سعيّد وأمين عام اتحاد الشغل نورالدين الطبوبي.

مصطفى عبدالكبير: الاقتصار على المنظمات الكبرى في الحوار هو الفشل بعينه
مصطفى عبدالكبير: الاقتصار على المنظمات الكبرى في الحوار هو الفشل بعينه

 وأكد الشابي أن “تونس ليس لها خيار غير الذهاب إلى الحوار”، موضحا “رغم أن فرصة نجاحه غير مؤكدة، لكن ربما ستنجح الأطراف المشاركة في تهدئة الأوضاع وتنقية المناخ السياسي والتوافق على عقد اجتماعي كبير لإخراج البلاد من الوضع المأزوم الذي تمر به”.

وفيما رحبت الأحزاب بدعوة تشريك الشباب في الحوار الوطني، إلا أن هناك تباينات بخصوص آلية المشاركة وإن كانت ستتم بشكل ناجع أو لا.

وبين عربي الجلاصي، القيادي في حزب التيار الديمقراطي (معارض) لـ”العرب”، أنه “لا اعتراض على فكرة تشريك الشباب، وعلى العكس هي فكرة جيدة”.

 وبالنسبة إلى الجلاصي فإن “السؤال يتمحور حول آليات تشريك الشباب في الحوار”. وتابع “الشباب سيكون ممثلا في الأحزاب والمنظمات ومن الوارد أيضا أن يكون من خارجها”.

وأعرب عن أمله في أن “يقدم هذا المقترح إضافة حقيقية للحوار وأن لا يكون مجرد شعار”. ورأى الجلاصي أن “الأهم هو القبول بمبدأ الحوار والأجندة الاجتماعية والاقتصادية التي ستتمخض عنه”.

 ورغم تعدد المبادرات لإطلاق الحوار، تراهن الأوساط السياسية على مبادرة الاتحاد لدوره الوازن في المشهد التونسي، وسبق أن نجح في لعب دور الوسيط، وساهم في تقريب وجهات النظر بين الأحزاب وتخفيف حالة الاحتقان في أزمات سابقة.

 وحسب المتابعين، فإن اتحاد الشغل يتعرض لضغوط كبيرة لأجل المساهمة في إدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة والتوصل إلى حلول عاجلة تلبي رغبات المواطنين الذين يشتكون من غلاء المعيشة والتهميش، لذلك فهو مطالب بتجنب التصعيد وإبداء الليونة مع جميع الأطراف بهدف حلحلة الأوضاع.

 ولفت مصطفى عبدالكبير، الناشط الحقوقي والمحلل السياسي، إلى أن “الاتحاد يتعرض إلى ضغوط كبيرة من طرف القواعد ومن طرف المواطنين من أجل التحرك ووضع حد لما هو حاصل في البلاد من إخفاقات على كل المستويات”.

وأضاف عبدالكبير في تصريح لـ”العرب”، أن “الاتحاد يدرك جيدا أنه يعيش أزمة ثقة لدى بعض الأطراف السياسية التي تعتبره منظمة مسيّسة غير محايدة وتدفع باتجاه تنويع الأطراف والفاعلين حتى لا تخسر الكثير، كما أن رئيس الجمهورية بحد ذاته يتناول الحوار من زاوية أخرى ومن منطلقات مغايرة للعديد من الأطراف السياسية المكونة للحزام الحكومي”.

 واستدرك “الحديث عن حوار وطني كحوار الرباعي لسنة 2014 هو في حد ذاته مجازفة”. واستنتج أن “تشريك الشباب في الحوار أمر حتمي ومفروض على الجميع، وأن الاقتصار على المنظمات الكبرى هو الفشل بعينه”.

وكان اتحاد الشغل قد لعب دورا محوريا بمعية عدد آخر من المنظمات الوطنية، في الحوار الوطني لعام 2013، والذي جنب البلاد صراعا حادا بين الفرقاء السياسيين عبر وضع حكومة مستقلة وهي حكومة مهدي جمعة التي مهدت لإجراء انتخابات 2014.

4