قيصر الجميل رسام النساء الجميلات والطبيعة الساحرة

الأحد 2017/02/26
الجميل ابن ضيعته الذاهب إلى الانطباعية

لندن - لا تملك سوى أن تقف مبهورا برقته وجمال نسائه. رسام الطبيعة التي شغف بها والنساء اللواتي تولّه بهن. وهو صورة عن جيل كامل من الآباء الذين أسسوا لقواعد مترفعة لجمال مؤنسن. جمال فني ينافس جمال الطبيعة غير أنه يظل وفيا له، منتظرا هباتها.

لبنانيته في رسومه

اللبناني ابن بكفيا الذي ذهب إلى باريس ليكتشف أن بكفيا قد سبقته إليها، لكن على سطوح لوحات الرسامين الانطباعيين. فلم ير من باريس إلا لوحات رينوار، وهو معلّمه في التعرف على الوجوه بطريقة تكشف عن مناطق جمالها الساحق. ما من امرأة رسمها قيصر الجميل إلا وكُتب لها أن تكون أيقونة للجمال. كما لو أنه رسّام ساحرات.

سيُذكر الجميل دائما إلى جانب عمر الأنسي ومصطفى فروخ باعتبارهم مكتشفي الجمال بصيغته اللبنانية. معهم انتهى عصر الروائع الكلاسيكية ليبدأ عصر الروائع التي تنتسب إلى الحياة المباشرة. بصيغة أخرى فإن ذلك الجيل وهو ما يُسمى تاريخيا بالجيل الثالث من الرسامين اللبنانيين نجح في الخروج بالرسم من إطاره المتحفي الذي أسس له داود القرم إلى الحياة.

لا يزال النظر إلى رسومه يغمرنا بالمتعة الحية. قد يُقال إن تلك الرسوم تنتمي إلى عصرها وهو أمر مؤكد، غير أنها لا تزال تطرح أسئلة حساسية جمالية خاصة هي أشبه بتلك الحساسية التي تنطوي عليها رسوم ديغا ومونيه ورينوار ولوتريك. شيء من الخلود لا يمتّ بصلة إلى التعالي الكلاسيكي.

لقد رسم قيصر الجميل الحياة كما عاشها وأحبها في مختلف تجلياتها. وهو ما وهب الانطباعية طابعا لبنانيا خالصا. عاد ابن بكفيا من باريس ليضفي على ريفيته طابعا مدينيا هو في حقيقته التعبير الأسمى عن الوفاء لقواعد اكتشاف الطبيعة عن طريق الرسم. لم يكن هناك أدنى تناقض بين لبنانيته وانطباعيته. كانا شيئا واحدا.

ولد قيصر الجميل في عين التفاحة قرب بكفيا عام 1898. درس الصيدلة استجابة لرغبة العائلة ليكون وريثها في العمل الصيدلي غير أن تلك الدراسة لم تجد هوى في نفسه بسبب شغفه بالرسم وهو ما دفعه إلى الالتحاق بمحترف الفنان خليل صليبي عام 1920 ليتعلم هناك أصول الرسم. عام 1927 شد الرحال إلى باريس ليدرس الرسم وينضم إلى أكاديمية جوليان.

هناك قضى ثلاث سنوات يدرس الرسم تحت إشراف جون بيار لورون وبوفون. غير أن الانطباعية بروائعها التصويرية هي الهبة الأعظم التي قدمتها باريس للرسام الشاب. ما تعلمه الجميل يومها من بوشيه ورينوار وهو يتأمل لوحاتهما قد شكل الفصل الأهم لا من رحلته الباريسية بل من سيرته الفنية كلها.

الجميل واحد من أولئك الآباء الذين نقلوا بعمق أسباب ودوافع وأساليب وتقنيات التحول الذي شهده الفن الأوروبي بطريقة تنطوي على الكثير من الذكاء والإخلاص. لقد عبر أفراد ذلك الجيل من خلال نتاجه الفني عن رفعة ونبل حقيقيين في التعامل مع ما تعلموه في أوروبا

عام 1930 فاز بالجائزة الأولى في المعرض الكولونيالي وفي العام نفسه عاد إلى بيروت ليؤسس مرسمه الخاص. بعد سبع سنوات، حين تأسست الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة عُيّن فيها معلّما للرسم، تتلمذ على يديه عدد كبير من رسامي لبنان.

كان الجميل، وهو الذي عاش حياة باذخة، مفتونا برسم وجوه النساء الجميلات وهو ما جعل من مرسمه مقصدا لنساء الطبقة المترفة. كل واحدة منهن تحلم في أن تزين صالون بيتها بلوحة تمثلها بفرشاته. لقد أضفى الجميل الكثير من الجمال والرقة على حياة اللبنانيين. لذلك شكلت وفاته المفاجئة عام 1958 صدمة لمَن كانوا يرون فيه كلود مونيه لبنان.

آباء الحداثة الفنية

لعب الجيل الذي ينتمي إليه قيصر الجميل دورا مهما في التمهيد لمرحلة الحداثة الفنية في لبنان. لقد انفتح أفراد ذلك الجيل على تحولات الفن الأوروبي في مرحلة ما بعد الكلاسيكية وبالتحديد على المدرسة الانطباعية.

ولأن لبنان من البلدان العربية القليلة الذي لم تشهد مسيرته الفنية قفزات انفجارية فقد كانت تقاليد الرسم الكلاسيكي راسخة فيه يوم عاد الجميل من باريس محمولا على جناحي انطباع جريء وخفيف غير أنه قويّ الصلة بالطبيعة اللبنانية التي حولها الرسامون المكرسون إلى مجرد خلفيات لما رغبوا في رسمه من مشاهد، كانت ترنو إلى أن تكون جزءًا من جمال مطلق لا يُبارى.

فاجأ قيصر الجميل الجميع برسوم تنتمي إلى الواقع غير أنها تمجّد ما هو متحول وآني وعابر وصدفوي من ذلك الواقع. حررت انطباعيته الرسم اللبناني من احتكار النهج التقليدي الجامد، فبدا كما لو أن حيوية جديدة قد اندفعت بالرسم بعيدا عن معايير وشروط اللوحة التقليدية. لقد حرّك الجميل ومعه رفاقه من الرسامين اللبنانيين الذين يحتلّون اليوم مواقع متقدمة في ذاكرة التاريخ الفني في العالم العربي المياه الراكدة. وهو ما جعل منهم آباء حقيقيين للحداثة الفنية، لا في لبنان وحده بل وفي العالم العربي أيضا.

رسوم قيصر الجميل تكشف بيسر عن متعة رسامها.

كان الجميل واحدا من أولئك الآباء الذين نقلوا بعمق أسباب ودوافع وأساليب وتقنيات التحول الذي شهده الفن الأوروبي بطريقة تنطوي على الكثير من الذكاء والإخلاص. لقد عبّر أفراد ذلك الجيل من خلال نتاجه الفني عن رفعة ونبل حقيقيين في التعامل مع ما تعلّموه في أوروبا. وهو ما أهلهم للقيام بدور المؤسس لقواعد راسخة في التحول الفني. لذلك يمكن اعتبار قيصر الجميل ومصطفى فروخ وعمر الأنسي الآباء الحقيقيين لحداثة فنية لم تكن لوحاتهم إلا مقدمات غامضة لها.

الرسام كائن متعوي

قيصر الجميل رسام لبناني بعمق. كل شيء في رسومه يشير إلى انتمائه إلى طبيعة لبنان الساحرة. وكما يبدو فإن علاقة الجميل بطبيعة بلاده قد اكتسبت طابعا سحريا بسبب ما تعلمه من الدرس الانطباعي. لقد اكتشف الرسام بلاده حين الرسم بأسلوب انطباعي. غير أن رسومه كانت في المقابل قد فتحت عيون اللبنانيين على أسرار الجمال الكامن في طبيعة بلادهم. أهدى الجميل أبناء بلاده لبنانا آخر، هو لبنان الذي يقيم في جماله، بعيدا عن كلّ ما هو مألوف في العادات اليومية. لقد اكتشف الجميل لبنان باعتباره بلدا انطباعيا، وهو ما أعانه على أن يقدم تجربته في الرسم انطلاقا من تماهيه مع محليته التي لم تكن يومها نوعا من التفكير بالهوية.

رسم قيصر الجميل كل ما كان يشكل بالنسبة إليه مصدر متعة في النظر الذي ينتقل بالكائنات الواقعية إلى فضائها السحري. وهو ما جذبه إلى صور النساء الشخصية ومشاهد الطبيعة الخلابة. لم تكن متعته لتكتفي بالنظر. فهو رسام. النظر إلى رسومه هو مناسبة لإدراك كم كان الرسام يشعر بالمتعة وهو يرسم. رسوم قيصر الجميل تكشف بيسر عن متعة رسامها.

تسيل المناظر الطبيعية كما الوجوه بخفة حتى يخيّل لمَن يشاهدها أنها اكتسبت من خلال الرسم نورا هو ليس من صفاتها الواقعية المتاحة. انطباعية الجميل وإن كانت تتماهى مع الطبيعية اللبنانية فإنها حملت شيئا جديدا إلى الرسم اللبناني لم يكن قد تعرّف عليه من خلال تجارب فنانيه الأوائل. ذلك الشيء هو المتعة. كان الجميل واحدا من أكبر الرسامين المتعويين في تاريخ الرسم الحديث في العالم العربي.

10