قيمة الفن المعاصر في رفّ الكتب

الأحد 2014/10/19
أشكال التمرد الجديدة في المجتمعات الغربية المعولمة

بعد “رسام المعارك” يعود أرتورو بيريز-ريفرتي إلى ثيمته المفضلة برواية عنوانها “صبر القناص” ليسائل عبر مطاردة تنقطع لها الأنفاس في دنيا الغرافيتي وظيفة الفن اليوم، وهل هو جمال خالص أم مادة للمضاربات المالية، ويقف عند أشكال التمرد الجديدة في المجتمعات الغربية المعولمة. الرواية تروي كيف كلّف أحد الناشرين البطلة أليخاندرا فاريلا، المتخصصة في الفن المديني، بالبحث عن فنان غرافيتي يدعى سنايبر اشتهر بموهبته الفردية وعمليات في شوارع المدينة تقع على حافة الشرعية وحرب الشوارع، لتعرض عليه طبع أعماله وعرضا استعاديا في متحف مو ما (مودرن آرت) بنيويورك. ولكن لا أحد يعرف وجه سنايبر ولا أين يوجد. تظل أليخاندرا تتنقل من مدريد إلى لشبونة، ومن فيرونا إلى نابولي بحثا عنه، فإذا هي أسيرة فخ قاتل، كلما ازدادت اطلاعا على الدوافع الحقيقية لذلك الفنان الراديكالي.


◄ الفن المعاصر في الميزان


جديد الإسباني إنريكي فيلا-ماتاس رواية بعنوان “انطباعات عن كاسيل” وتروي دعوة غريبة وجّهت إلى كاتب ليساهم في المعرض العالمي للفن المعاصر بمدينة كاسيل الألمانية، ويُشترط أن يحضر كل صباح إلى مطعم صيني ليكتب انطباعاته أمام الناس. كان الحياء وغرابة الدعوة يحثانه على الرفض، ولكن مبعوثا خاصا استطاع إقناعه بالحضور. يتساءل الكاتب ساخرا عن جدوى مساهمته في مثل هذا المعرض وهو الكاتب؟ لعله يمنّي النفس بالعثور على سر الفن المعاصر أو أنه سيتدرب على شعرية جبر مجهولة؟ وربما يكتشف بابا مثبتا في قوس على الطراز العربي، أو بابا من الصين القديمة تخفي خلفه اللغة الصافية حياة سرية؟ أم أنه جاء بحثا عن طريق إلى الفن ذاته؟ رواية كثيرة الأحداث والتطورات، والمعروف أن روايات فيلا-ماتاس يمكن أن تقرأ كروايات بوليسية، حيث يقلب القارئ الصفحات تباعا ليعرف البقية، ولكن عند طيّ الكتاب يكون عاجزا عن تلخيص الحبكة.


◄ قديسون من عامة المجتمع


أعمال البرشلوني إدواردو مندوزا يتخللها تياران: أحدهما تاريخي جاد، والثاني هزلي ساخر، تأثر فيه بثربانتس والفرنسي رابليه. في كتابه “حيوات ثلاثة قديسين” يروي قصصا ثلاثة: الأولى بطلها مطران أميركي لاتيني سيـّئ السيرة، تجيره أسرة كاتالونية، يقوده انقلابا عسكريا في بلده إلى دوامة من الأحداث المتشابكة في متاهات برشلونة. والثانية بطلها ابن طبيب عيون مشهور يعود من أفريقيا إثر وفاة والده ليتلقى جائزة قيمة باسم أمه، فينطلق في هجاء الوسط العلمي وثلبه. والثالثة بطلها مجرم سجين تعلمه الأدب أستاذة كانت تدرّس في السجون، فيصبح كاتب “بست سيلر” أي الكتب الأكثر مبيعا. والقديسون هنا ليسوا شهداء ولا زهادا بل هم مجانين أو عباقرة يتنازلون عن كل شيء مقابل فكرة. والقصص الثلاثة ممهورة بأسلوب مندوزا وفيه من السخرية قدر ما فيه من النظر والتأمل في حقائق المجتمع.


◄ هل يكون الفن شريك الشر


رواية “مدوسة” للناقد والروائي الإسباني ريكاردو ميننديز سالمون بطلها رسام ومصور وسينمائي ألماني يدعى بروهاسكا، لا يريد أن يظهر للعيان، ولا أن يكون له حضور في المواقع الاجتماعية، بل إنه طلب من أقاربه أن يمحوا كل أثر يدل عليه. هذا الفنان كان تعقب بعدسته جرائم الحرب في القرن الماضي: سواء في ألمانيا النازية أو إسبانيا الفرانكية أو في أميركا اللاتينية زمن الدكتاتوريات. والسؤال الذي تطرحه الرواية: هل يستطيع الفن أن يقتحم مناطق الرعب دون أن يكون حليفا للشر الذي يفترض أنه يدينه؟ ألا يكون الفنان، وهو يصور الفظائع بشكل يثير الألم والاستنكار، ميالا إلى استراق النظر، وحتى التمتع خفية بتلك المشاهد الفظيعة؟ فالبطل هنا ليس فاقدا المشاعر والأحاسيس، ولكنه يأبى الظهور، شأنه في ذلك شأن المدوسة القديمة، التي كانت تتهيّب رؤية وجهها خشية الهلاك.

رومانسية الجنوح والتوبة


◄ الحدود اللامرئية


في رواية “قوانين الحدود” يعري خافير ثركاس رومانسية الجنوح والتوبة، والديمقراطية الإسبانية ومراياها المضللة، ومكابدات كل من بيده ممارسة الحرية. يروي سيرة فتى من الطبقة المتوسطة يقع في مخالب لص يدعى زاركو وصديقته تيري، فيقودانه إلى الناحية الأخرى من الحدود، حيث السرقة وقطع الطرق، ويظل رغم ذلك يتأرجح بين ضفتين. وبعد عشرين عاما يصبح محاميا فيدافع عن صديقه القديم، صاحب السوابق والملفات المتراكمة، كرمز لتمرد يجيء من ورائه الخلاص، وضحية منظومة فاسدة، وكأنه يدافع عن مناطق الظل التي شابت سنوات شبابه. والكاتب الذي يقبل برواية هذه الحكاية، يتولى في حوارات قصيرة جمع مختلف الذكريات والانطباعات التي يعرب عنها من كانوا على صلة بزاركو. فلم يحصل إلا على ما يحصل عليه كاتب الرواية: الغموض الذي يجعل الحدود غير واضحة المعالم.


◄ الإنسان في وجهه المظلم


“تضليل” رواية جديدة للإسباني خوان مانويل دي برادا. تدور أحداثها في مطلع الأربعينات، وبطلها أنطونيو أحد لصوص مدريد، يعيش على سرقة العائلات البورجوازية. يتهم نفسه بجريمة قتل ارتكبتها صديقته، ثم يلتحق بفيلق أزول هربا من البوليس، فيجند في الجبهة السوفييتية حيث تسجنه قوات الجيش الأحمر، قبل أن ينتحل هوية غابرييل مندوزا، الذي يشبهه تماما. وهي الصفة التي يتمسك بها عندما يطلق سراحه عام 1954 ويعود إلى إسبانيا. هناك يستولي على تركة عائلة مندوزا الغنية، ويمعن في تصفية خصومه لمحو آثار الماضي. رواية متماسكة، تذكر بأعمال ديكنز وديستوفسكي، ولغة ثرية تحفل بالوصف والتصوير ببراعة، لترسم شخوصا يتوقون إلى الخير والحب، ولكن وقوعهم في قبضة قوى تتجاوزهم يجعلهم لا يستطيعون الخلاص من آليات أقدارهم. رواية ممتازة عن الضعف الذي يتردى بالإنسان إلى الخيانة والشر.

14