قيم شباب اليوم متسامحة مع الغش في الامتحانات

الشعور بإهمال الكفاءات والمجتهدين يحبط عزيمة الجيل الجديد ويضرب منظومة العدالة وتكافؤ الفرص بين الشباب.
الأحد 2019/06/16
محطة لتحديد مستقبل كامل

أصبحت طرق وأساليب الغش بمثابة براءات اختراع مصدرا للتباهي من بعض الشباب الذين يبررونها بغياب العدالة الاجتماعية، وباعتماد طرق التوظيف والارتقاء في العمل على العلاقات، فيما لم يعد التعليم وسيلة للارتقاء الاجتماعي، بل غاية تنحصر في الحصول على الشهادات، بغض النظر عن شرعيتها.

القاهرة - منذ انطلاق امتحانات الثانوية العامة، اعتاد محمود رمزي، أن يفكر كل يوم في طريقة مبتكرة للغش من دون أن يضبطه أحد، إلى درجة أن الوقت الذي يخصصه للغش والاستعداد له، أكثر من الساعات التي يقضيها في المذاكرة ومراجعة الدروس.

نجح محمود خلال اليوم الأول من الامتحانات، في تلقي الإجابات عن أسئلة الاختبار من والدته التي تجلس في المنزل، عبر سماعات متناهية الصغر، كان زرعها في أذنيه وتتصل بهاتفه المحمول، بعد أن قام بتصوير ورقة الامتحان في غفلة من المراقبين باللجنة وأرسلها إلى أمه عبر تطبيق واتساب.

لم يخف الشاب في حديثه مع “العرب”، إجابته على أغلب الأسئلة بشكل نموذجي وأنه يخطط لتكرار الأمر في باقي الامتحانات، وأن والديه لم يمانعا انتهاج هذا السلوك للحصول على درجات مرتفعة ودخول كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كبداية لالتحاقه بالعمل بعد التخرج في إحدى السفارات المصرية، مثل بعض أقاربه.

يقر رمزي بأنه يعرف تماما أنه من خلال الغش سوف يزيح من هو أكفأ منه ويحل مكانه دون وجه حق، لكنه في ذات الوقت يبرر بأنه لو تراجع لإعلاء القيم والمبادئ وتكافؤ الفرص سوف يفعل الآلاف نفس الأمر ويحصلون على الفرصة بطرق غير مشروعة أيضا.

يمكن من خلال هذه الحالة، الوقوف على الأسباب التي جعلت الكثير من الشباب يستسهل النجاح في الامتحانات عن طريق الغش، وابتكار أساليب غير معقولة وبعيدة عن خيال الحكومات، لإتمام العملية بنجاح، حتى أصبح الغش عادة مألوفة يصنف من لا يلجأ إليها من الطلاب بأنه حالة استثنائية.

سابقا كان الغش في الامتحانات مقتصرا على فئة معينة من الطلاب من ضعاف المستوى وغير المجتهدين، وكان هؤلاء يخشون الاعتراف بالأمر خشية النظرة الدونية لهم من الأسرة والمجتمع وإدارة المؤسسة التعليمية، لكنه اليوم أصبح في عقيدة الكثير من الشباب دليلا على الشجاعة والتحدي وتحطيم القيود.

تهاون غير معلن

ورغم النظرة المتسامحة مع الغش إلا أنها لا تنفي أنه أسلوب يرسخ الظلم الاجتماعي ويضرب منظومة العدالة وتكافؤ الفرص بين الشباب في مقتل، ويوسع دائرة اختفاء أصحاب القدرات والكفاءات لصالح الفاسدين.

كما أن تراخي المؤسسات الحكومية في معاقبة المتورطين في الغش لإنهاء الظاهرة، تسبب في انتشارها على نطاق أوسع، وجعل البعض يشعر بأن النجاح عبر أساليب الغش أقرب، لكونه حقا مكتسبا وليس فعلا جنائيا يعاقب عليه القانون بالحبس والغرامة.

ويعتبر البعض أن مخاوف الحكومات من الصدام مع الشباب، تسببت في حالة من التهاون غير المعلن مع هذه الفئة، فمثلا خلال العام الماضي فقط، ضبطت وزارة التربية والتعليم المصرية نحو 150 طالبا في الثانوية في عمليات غش، ولأن هؤلاء الطلاب شباب في مقتبل العمر في حدود 18 سنة، تم تخفيض العقوبة إلى الحد الأدنى ولم يُحبس أو يرسب أحد. والمفترض أن بعضهم يتم حبسهم لأنهم ضبطوا متلبسين، والآخرون يرسبون لمدة عامين متتالين وفقا للقانون.

وأمام التخاذل في التصدي للظاهرة بحزم وصرامة، ابتكر الشباب براءات اختراع في طرق وأساليب الغش، ومع الوقت سقط عن ممارسيها الشعور بالإثم والذنب، وتبدلت الحال وأصبح الغش مصدرا للتباهي، ولا يخجل كثيرون من الاعتراف بالنجاح من خلاله.

ظاهرة الغش في الامتحانات لم تنشأ بين الشباب من فراغ، وإنما وجدت في كل مكونات المجتمع تربة خصبة للنمو والانتشار والتمدد

ويرى متابعون، أن انتهاج هذا السلوك يعكس غياب الحماس عند الشباب للنجاح بالجهد لتحقيق طموحاتهم، لشعورهم بأن المجتهد ليس له مكان، وكل الأشخاص يتساوون في نهاية المطاف، بل إن بعض الغشاشين حظوظهم أوفر، كأن يحصلوا على معدلات مرتفعة في الثانوية ويلتحقوا بكلية حكومية وينقذوا أسرهم من دفع عشرات الآلاف من الجنيهات كمصاريف في الجامعات الخاصة.

ويبرر الكثير من الشباب غياب الطموح في النجاح بطرق شرعية، بأن “الشخص المناسب لم يعد في المكان المناسب، والعلاقات أصبحت هي الطريق للتوظيف والترقي، والشهادة الجامعية لم تعد لها قيمة وسط طوابير البطالة، والتعليم لم يعد وسيلة للارتقاء الاجتماعي، بل غاية تنحصر في الحصول على الشهادات فقط”.

وأضحت شهادات التعليم لدى البعض مجرد مسميات يحصل عليها الشاب لتضاف إلى مؤهلاته، دون أن تكون لها أهمية في تغيير مسار حياته، وهي أزمة الكثير من الشباب. فلم تعد للشهادة الجامعية قيمة في ما يتعلق بتحقيق الحلم أو الوصول إلى مستوى اقتصادي واجتماعي أو وظيفي مقبول.

ويقول محمود عيسى، وهو طالب بكلية التربية في جامعة القاهرة “لا أنكر أنني تجاوزت الامتحانات بالغش، فعندما كنت أجلس على الكتاب للمذاكرة تستحضرني النسب المخيفة للبطالة بين الشباب، وأصاب بالإحباط، وقررت اختيار الطريق السهل وأنجح دون عناء”.

ويضيف لـ”العرب”، أن الشباب الذين اختاروا الغش وسيلة للحصول على الشهادة الجامعية، مضطرون لذلك، لأن الحكومات أهملت قيمة النجاح بالجهد والعرق والالتزام، وأنه شخصيا يعرف عددا من خريجي الجامعات حصلوا على تقدير امتياز، أي أنهم من أوائل الدفعة، ولم يتم توظيفهم، ويعرف

أيضا حملة شهادات حصلوا على تقدير مقبول، وتم تعيينهم في مؤسسات حكومية مرموقة. ويشير إلى أن الكثير من الشباب أصبحوا يعتبرون التعليم عبئا ثقيلا ويبحثون عن الخلاص منه بأي طريقة، وهو نفسه يريد شهادة أو لقبا علميا يحقق به مكانة اجتماعية عالية، لا أحد سوف يسأله هل حصل عليها بالجهد أم بالغش وما هي نسبة التقدير، حتى الحكومات عندما تقوم بطلب شباب للتوظيف، تنظر إلى المؤهل الجامعي، وليس إلى طريقة الحصول على الشهادة، قائلا “نحن في مجتمع شهادات، لا مجهودات”.

وهذا يدل أن ظاهرة الغش في الامتحانات لم تنشأ بين الشباب من فراغ، وإنما وجدت في كل مكونات المجتمع تربة خصبة للنمو والانتشار والتمدد، حتى أصبح المؤمنون بها أكثر من الرافضين لها.

ويوضح محمود عيسى لـ”العرب” أنه “عندما يرى الشاب أن قيم الكفاءة تتلاشى لتحل مكانها الواسطة وأصحاب النفوذ، فلماذا يرهق نفسه ويتكبد عناء النجاح، إذا كان التقييم الحكومي للطالب والخريج الجامعي يعتمد على الشهادة فقط، دون معايير أخرى تفصل بين مرتكب الغش والمتفوق؟”.

جرائم جماعية

اللافت، أن الكثير من الأسر لم تعد تعتبر نجاح أبنائها بالغش جريمة مثلما كانت تتعامل الأهالي في الماضي. فوالدة الطالب محمود تساعده عبر الهاتف، والأب على علم بذلك، أي أن أسر الشباب تدرك أن النجاح بالجهد والعرق لا قيمة له أمام تخطي الامتحانات بغض النظر عن الطريقة، المهم أن تؤمن مستقبل أولادها.

أزمة بعض المؤسسات التعليمية والتربوية، أنها طوال السنوات الأخيرة التي وصل فيها الغش في الامتحانات إلى مستويات مرتفعة، اكتفت بوضع حلول غير تقليدية لمواجهة الغشاشين دون الوقوف أمام الأسباب والمبررات التي دفعت السواد الأعظم من شباب المدارس والجامعات إلى الاعتماد على الغش كوسيلة أحادية للنجاح.

وقررت مصر طباعة وتوزيع الأسئلة عبر جهات أمنية لتجنب تسريبها قبل الامتحانات، لكن تم نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي عن طريق الطلاب وساعدهم معلمون في حلها ونشر الإجابات، الأمر الذي تكرر في الجزائر والمغرب والسودان ولبنان، رغم الإجراءات المشددة على الامتحانات.

شهادات التعليم لدى البعض أضحت مجرد مسميات يحصل عليها الشاب لتضاف إلى مؤهلاته، دون أن تكون لها أهمية في تغيير مسار حياته، وهي أزمة الكثير من الشباب
شهادات التعليم لدى البعض أضحت مجرد مسميات يحصل عليها الشاب لتضاف إلى مؤهلاته، دون أن تكون لها أهمية في تغيير مسار حياته، وهي أزمة الكثير من الشباب

تتجاهل الكثير من المؤسسات التربوية أن أغلب الشباب الذين استسهلوا النجاح بالغش، فعلوا ذلك لشعورهم باليأس والإحباط وأن المستقبل الذي ينتظرهم مظلم، فلم تعد لديهم الرغبة والحافز في فعل أي جهد له قيمة لدى المجتمع والحكومة.

صحيح أنه لا يمكن تبرير فعل الغش، لكن شعور الشباب بأن آراءهم لها قيمة عند صانع القرار، سيكون مهما وله انعكاس إيجابي على تصرفاتهم، بخلاف تباعد المسافات بين الطرفين، ووصول العلاقة إلى الصدام والعناد والجفاء.

وقال عبدالحميد زايد أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفيوم، جنوب غرب القاهرة، إن أحد الأسباب الرئيسية لانتهاج الشباب سلوك الغش، إظهار التمرد على السلطات الرسمية، باعتبارها من شجعتهم على ذلك بتصرفاتها الخاطئة، مثل إهمال المبتكرين والعباقرة والعلماء، مقابل تصعيد شخصيات يثار حولها الشبهات.

وأضاف لـ”العرب”، أن تصدّر أصحاب مستويات تعليمية متواضعة وشهادات جامعية مشكوك في نزاهتها، المشهد الإعلامي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي في بعض المجتمعات، أفقد الشباب قيمة النجاح بالطرق الشرعية، والأمل في مستقبل أفضل إذا اجتهدوا وعبروا الامتحانات بنزاهة.

ولفت إلى أن استمرار مطاردة الحكومات للشباب في المدارس والجامعات لتحجيم ظاهرة الغش دون دراستها وتحليلها بعمق، والبدء في تذليل أسبابها تدريجيا، سوف تكون له تأثيرات خطيرة، وقد يتحول هذا السلوك الخاطئ إلى ثقافة مجتمعية يؤمن بها الشباب وتدعمها الأسر بذريعة تأمين مستقبل أولادها.

فساد جيل

تكمن مخاطر استسهال النجاح بالغش، في أن الأمر يتعلق بإفساد جيل كامل من الشباب، وهي أزمة لا تدرك بعض الحكومات عواقبها، لأن طلاب المدارس والجامعات يمثلون القوام المستقبلي في أي مجتمع، وإذا كان الأساس منحرفا في التصرفات والسلوكيات وطريقة التفكير كذلك، فإن كل ما يتأسس عليه سيكون انعكاسا لهذا القوام المشوه.

وتتجسد النتيجة في تخريج مهنيين ومسؤولين كانوا وقت شبابهم من أباطرة الغش في الامتحان. ولأن من شبّ على شيء شاب عليه، فهؤلاء سوف يكون الغش وسيلتهم في الحياة، بعد أن كان وسيلة سهلة لوصولهم إلى هذا المستوى الوظيفي والاجتماعي، وحصلوا على ما يريدون دون جهد يذكر.

ويرى وائل كامل، وهو أكاديمي ويعمل بجامعة حلوان في جنوب القاهرة، أن ظاهرة الغش بين الشباب لها عدة أسباب، يتصدرها شعور الأجيال المعاصرة بأن من يقودون المجتمع لا يستحقون هذه المكانة المنوطة بهم، وهو ما أصاب النشء بانتكاسة نفسية، وهذا واقع تعكسه الأعمال الدرامية والسينمائية في الكثير من البلدان، حيث تبرز أن الغشاش والمزيف هو من ينجح ويقود ويكون صاحب السلطة والجاه والمال.

السبب الآخر، أن الأسر طوال الوقت تريد التباهي بمجاميع أبنائها وتطالبهم بأن يكونوا ضمن أوائل الخريجين، ومع زيادة الضغط النفسي والعصبي وعجز الشاب عن تحقيق طموح عائلته بالطرق المشروعة، يلجأ إلى الغش حتى يحظى بمكانة اجتماعية ترضي أسرته، ويبعد نفسه عن دوامة التعنيف والتأنيب وردود الفعل الغاضبة من جانب الأهل، وهذا السلوك مرتبط بنمط التنشئة الاجتماعية والأسرية للشاب.

ويقول كامل لـ”العرب”، إن التقلبات السياسية والأزمات الاقتصادية وزيادة الإحباط من البطالة وسوء الأوضاع المعيشية، أضعفت همم الشباب في التمسك بالقيم الاجتماعية، ومنها النجاح بالجهد. إذ لا يمكن لشخص محبط أن يكون ملتزما بتقاليد لن يجني من ورائها سوى الخسائر الجسدية والنفسية والاقتصادية، في حين أن أمامه طريقا غير شرعي أكثر قدرة على تحقيق الآمال.

ويعتبر أن مواجهة الظاهرة لا تكون إلّا بتحلي الحكومات بالشجاعة وتطبيق العقوبات على مرتكبي الغش في أي مجال حتى يكونوا عبرة لغيرهم، وكذلك بدراسة أسباب الظاهرة عبر مراكز الأبحاث الاجتماعية ورفع توصيات للحكومات وتنفيذها بحذافيرها، مع سرعة الاعتماد على الكفاءات في كل المناصب المهنية لتغيير نظرة الشباب إلى واقع مجتمعاتهم، وأيضا بتغيير نظم التعليم وتحديث الامتحانات لتعتمد على الفهم والتحليل وليس الحفظ والاسترجاع، لأن التطوير هو الحل الوحيد في إجراء امتحانات يستحيل فيها الغش والتسريب.

19