قيود الرقابة تتفاوت حسب شخصية الإعلامي في مصر

إستراتيجية جديدة يسير عليها الإعلام تقوم على توجيه انتقادات من خلال شخصيات قادرة على ممارسة الأمر باحترافية بالغة.
الخميس 2019/11/21
كل شيئ ممكن

القاهرة - ظهرت ملامح جديدة مؤخرا في الإعلام المصري تقوم على المزاوجة بين الحرية والتضييق، حيث بدت بعض وسائل الإعلام ساخنة في تناولها لموضوعات وأخرى باردة جدا، وهو ما يثير قضية شخصية الإعلامي ومدى قدرته على ممارسة الحرية أكثر من غيره.

ويرى بعض شيوخ المهنة أن “كل شيء من الممكن أن يقال ويكتب، لكن المهم كيف يجري تمريره وفي أي وقت”، وينعكس ذلك بوضوح على مساحات الرأي في الصحف والمجلات المصرية التي أضحت متنفسا يمكن النفاد منه لطرح وجهات نظر مختلفة.

ويقول صلاح منتصر، كاتب عمود يومي بجريدة الأهرام الحكومية، إن ثقافة الإعلامي والتجارب التي مر بها تتحكم في قدرته على التعامل مع الأوضاع التي يعاني فيها الإعلام تضييقا، بحيث يملك مهارات مهنية تظهر قدراً من الحرية من دون أن يتخطى ذلك الخطوط الحمراء عند مناقشة الموضوعات الشائكة.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “الأزمة التي يعاني منها الإعلام المصري حالياً تتعلق بخوف الكثير من الإعلاميين، وهم مطالبون أن يكونوا أكثر تحرراً، لكن الأمر ذاته يرتبط بالحكومة التي تخشى في أحيان عدة من انفلات الإعلام وتعمل على تحجيمه”.

ويبدو أن الجهات المسؤولة عن ملف الإعلام لا تثق في الكثير من الإعلاميين، وتوسيع هامش الحرية الذي كان متوقعاً عقب خروج مظاهرات محدودة في 20 سبتمبر الماضي لم يتحقق بصورة كبيرة، كما كان مأمولاً.

عصام كامل: الاصل هو التنوع
عصام كامل: الأصل هو التنوع

وتسبب عدم توافر الكوادر الإعلامية بتأجيل الإعلان عن تغييرات صحافية حكومية واسعة، بعد أن كان من المقرر أن تجري منذ إصدار القوانين المنظمة للهيئات الإعلامية قبل نحو عام، ما يبرهن أن المشكلة انعكست على شكل ارتباك في إدارة ملف الإعلام والعاملين فيه.

ويقول عصام كامل، رئيس تحرير صحيفة فيتو الخاصة، إن الأصل في الإعلام هو التنوع، ما يجعل غيابه أو وجوده على استحياء يعكس تقلص مساحة حرية الرأي بشكل عام، وأن ذلك أدى لغياب الصحف المعارضة تقريبا، كما أن الصحف والقنوات الخاصة لم تعد قادرة على ممارسة نفس الدور الذي كانت تقوم به.

وأوضح لـ”العرب”، أن الخطوط السياسية بين وسائل الإعلام اختفت، ولم تعد هناك صحافة ليبرالية وأخرى يسارية وثالثة إسلامية، وبدت العوامل الشخصية المحدد الأكبر، وهو ما يرجع إلى الظروف المحيطة بالإعلامي الذي يواجه ضغوطاً داخلية، من الجهات التي تنظم عمل الإعلام، وأخرى خارجية لا ينفصل عنها، وتتعلق بالنزاعات التي تصل حد الحروب الأهلية، ما يؤدي إلى أن يطغى الرقيب الذاتي على تعليمات تحمل عنوانا عريضا وليس محددا. وأشار إلى أن غياب المعارضة السياسية الفاعلة داخل البرلمان أدى لتقلص قدرة الإعلامي على اختيار الشخصيات التي من الممكن أن تثري المجال العام، ويؤثر ذلك مباشرة على تنوع الآراء في الإعلام باعتبار أن الأحزاب والبرلمان من أهم روافد الممارسة الإعلامية المتنوعة.

ويذهب العديد من الخبراء للتأكيد أن مهارات الإعلامي تتطلب بيئة خصبة لتطويرها باعتبارها نبتاً من الممكن أن يترعرع ويتطور وفقاً لطبيعة الأوضاع، وأن البنية القانونية أو السياسية التي يعمل في محيطها هي بمثابة شجرة لا بد أن يتوافر لها الأكسجين والتربة الصالحة، وعدم توفر تلك المحفّزات يضرّ بأداء وسائل الإعلام.

ولدى هؤلاء يقين أن حالة الاختلاف التي طرأت على بعض البرامج التلفزيونية والصحف في مصر لا تخلو من توجيه من قبل الجهات المنظمة للإعلام، وأن بعض الدوائر الرسمية رأت أن الصوت الواحد أضحى مؤذيا أكثر منه مفيدا، ومن الضروري أن تكون هناك إستراتيجية جديدة يسير عليها الإعلام، تقوم على توجيه انتقادات لكن ضمن إطار وطني وفي حدود واضحة ومن خلال شخصيات لديها القدرة على ممارسة الأمر باحترافية بالغة.

18