قُبُلاتٌ لها خيال

أجدني دوما مأخوذا بتلك الصيغ المتقلّبة والغامضة والمفاجئة، التي تحفل بها الأعمال السينمائية، لتلاقي الشفاه والألسنة ممهورة بآثار ذهنية عصية على التقرير.
الأربعاء 2018/07/04
إعجاز جمالي في تخليص الفناء من كثافة الشهوة

حين انتهى الفنان النمساوي غوستاف كليمت من وضع اللمسات الأخيرة على لوحة “القبلة”، مطلع القرن الماضي، لم يكن يتصور أن عمله المتصل بذاكرة شهوانية يمكن أن يتحول إلى أكثر التشكيلات البصرية دلالة على الفناء، والذوبان العاطفي، المتخطي لعتبات الحسية، كان يكشف في صيغته التصويرية عن فعل إيروتيكي ملغز، بنُسغ أسطوري، يتعالى على الغرائزية الهوجاء، ويحول الجسدين المتعانقين إلى كتلة متداخلة، يلفها شلال منهمر من الألوان والضياء. ولقد مثلت لوحة كليمت في هذا السياق، نموذجا لسعي تخييلي قديم إلى تجريد القبلة من الجسدانية ومن الخطيئة ومن الفيض الانفعالي الزائغ على حد السواء. ولعل ذلك ما سعى إلى تمثله الشاعر السوري الكبير نزار قباني قبل أربعة عقود، حين شبه -في تعبير رقيق ودقيق ومرتوٍ بالخيال- القصيدة المتحققة بالقبلة الناجحة، ففي الحالتين معا يقتضي الأمر مشاركة ذهنية لطرفين.

لهذا أجدني دوما مأخوذا بتلك الصيغ المتقلّبة والغامضة والمفاجئة، التي تحفل بها الأعمال السينمائية، لتلاقي الشفاه والألسنة ممهورة بآثار ذهنية عصية على التقرير، حيث يسكن الالتباس الطبقات والثنايا والأطواء، ويجعل الشهوة مسألة معنى، يتدرج في سلم الامتلاء والحدة، من برودة ما تحت الصفر، إلى درجة الاحتراق؛  فحين ينزل البطل (ريشارد جير) السلم المعدني الخلفي لمنزل البطلة (جوليا روبيرتس)، في فيلم “امرأة جميلة” ملوحا بوردتين نافرتين، تبادر البطلة بنزول السلم في لهوجة مهلكة، ليلتقيا عند منتصف الدرج المعلق، فتترقرق قبلة جحيمية تطل على العالم والمدينة والناس من السماء، لتقول الشوق والرواء بمجاز مخترق بالألوان والضياء؛ صورة لا علاقة لها بالقبلة الملتبسة للبطل داستن هوفمان في فيلم “راين مان” التي بدت ككشف لساني بكنه رطب، يقاس بقدر الملوحة واللزوجة، وتُستأصل منه إيحاءات النشوة، قبلة بلا أثر ولا أفق ولا هوية عاطفية.

ولعل الروائي الفرنسي إيريك فوتورينو كان على إدراك كبير بتعلق القبلات بالخيالات والذاكرة حين كتب روايته الفاتنة ” قبلات سينمائية” ليحكي رحلة بحث البطل عن ظلال أمه الضائعة منذ يفاعته المبكرة، في سديم قبلات قديمة، فيحاول ملاحقتها عبر مشاهد سينمائية متداخلة تومض من لقطاتها تلك التفاصيل النورانية للقبلات الأسية والفرحة والمسروقة والمغتصبة والمشروخة في المنتصف والواقفة على عتبات العنفوان، لتتحول الرواية في لحظة ما إلى ما يشبه محكية لسر الوجود المدفون في هروب القبلات.

لم يكتب فوتورينو هذه الرواية لتمجيد القبلة ولا السينما وإنما لتمجيد المجاز والخيال والمعنى، ذاك الذي جعلنا نرى لوحة غوستاف كليمت الملتبسة بوصفها إعجازا جماليا في تخليص الفناء من كثافة الشهوة.

15