"كأس العالم" بالمصري

الاثنين 2013/11/18

لا أحد يستطيع أن ينكر التداخل الحاصل بين الرياضة والسياسة، حتى لو كانت قوانين الفيفا تحرم ذلك، ولا أحد يمكن أن ينكر الدور الذي لعبته بعض اللعبات في التقريب بين الشعوب، كما أنه أيضا يصعب تجاهل التوتر الذي أفضت إليه مباريات أجريت بين دول عدة. والآن أصبحت مسابقات الأولمبياد، وكأس العالم لكرة القدم في الأعمار المختلفة، والبطولات القارية على مستوى الدول والفرق، بمثابة منتديات الكل يسعى للمشاركة فيها، لأنها تحقق لأصحابها فوائد ومنافع متعددة بينها مكاسب سياسية. لذلك تحاول القيادات المحلية توفير الظروف المناسبة، لدولها وفرقها، لكي تحظى بالتمثيل المشرف. الأمر الذي يغضب أحيانا قوى في المعارضة، فتعمل على وضع المطبات في طريقها، وتحزن للفوز وتفرح للخسارة، اعتقادا منها أنها تصيب الخصوم السياسيين في مقتل.

لقد ظهرت تجليات المعادلة السابقة في مصر بصورة مذهلة خلال الأيام الماضية، وجرى عجن الرياضة بمياه السياسة عن قصد. حيث وفرت السلطات الرسمية الإمكانيات المادية والمعنوية اللازمة للمنتخب المصري لكرة القدم في مباراة الذهاب الفاصلة مع منتخب غانا الشهر الماضي، لأن الفوز سيحقق جملة من المكاسب السياسية، ويبعث برسالة تطمين للمواطنين العاشقين للكرة، مفادها أن هناك تغيرا ملموسا في البلاد. لذلك أعلنت جماعة الإخوان وقوفها بجوار منتخب غانا على حساب مصر، وقام أنصارها بتشجيع الفريق المنافس، ووزعوا على جمهوره في المدرجات «تي شيرتات» تحمل شعار «رابعة» ذي الأربعة أصابع الصفراء. وعمت الفرحة أرجاء الإخوان عندما مني الفريق المصري بهزيمة ساحقة (6/1)، وكأن الجماعة حققت هدفا لنفسها. وبلغت المسألة حد الشماتة السياسية من يوسف القرضاوي الذي قال من على أحد منابره بالدوحة أن الفريق المصري هزم والهدف الوحيد أحرزه اللاعب المؤمن محمد أبو تريكة، في إشارة إلى أن باقي اللاعبين غير مؤمنين، وأن الإيمان شرط للنصر.

الهزيمة الثقيلة أثلجت قلوب الإخوان الضيقة. واعتبروا عدم وصول الفريق المصري لنهائيات كأس العالم هزيمة منكرة للقيادة السياسية الحالية، ونصر مؤزر للقيادة السابقة في عهد الجماعة. وجاءت المباراة النهائية لفريق الأهلي لكرة القدم أمام فريق القطن الكاميروني، لتسكب المزيد من الزيت السياسي على نار الرياضة الهادئة. فالأهلي فاز بهدفين مقابل لاشيء في مباراة الإياب وحصل على بطولة أفريقيا وصعد لنهائيات كأس العالم للأندية، لكن عقب المباراة اشتعلت مباراة سياسية بين الإخوان وخصومهم، بسبب قيام اللاعب أحمد عبدالظاهر بالتلويح بإشارة «رابعة» عقب إحرازه الهدف الثاني للأهلي، وتحت ضغط وسائل الإعلام وجماهير النادي اضطر الأهلي لتوقيع عقوبات على لاعبه وحرمانه من اللعب في النهائيات وعرضه للبيع.

وبدأت بورصة التكهنات الرياضية تختلط مرة أخرى بنظيرتها السياسية، وذهبت إلى احتمال قيام عبد الظاهر بالاحتراف في أحد الأندية القطرية أو التركية، في إشارة إلى العلاقة المتينة بين الإخوان وكل من الدوحة وأنقرة. واستغلت منتديات الإخوان إحراز الهدفين عن طريق أبوتريكة وعبدالظاهر، في الترويج لمهارة أنصارها حتى في الرياضة.

المسألة لم تتوقف عند هذا الحد، حيث وصل كأس العالم نفسه إلى مصر، في إطار جولة يقوم بها على نحو 89 دولة، بينها مصر، وأقيمت له الاحتفالات الشعبية والمهرجانات الإعلامية، والتقى الرئيس المؤقت عدلي منصور مندوب الفيفا في قصر الاتحادية، الذي منحه نسخة مصغرة من الكأس على سبيل الهدية الشرفية. من هنا اعتبرت بعض الجهات السياسية، وصول الكأس الحقيقي للقاهرة رسالة طمأنة لدول العالم على ارتفاع درجة الاستقرار والأمن، وهو أيضا يصلح كدليل ينطوي على هزيمة للإخوان وحلفائهم، لأن إرسال الفيفا للكأس يعنى اعترافا صريحا بالحكومة الحالية، وأنها جاءت عقب ثورة شعبية بامتياز.

الحرب التي اشتعلت بين الإخوان وخصومهم بسبب كأس العالم، فتحت الباب لمزيد من التراشقات، وكشفت لأي درجة أضر الانقسام السياسي بسمعة مصر وفريق عريق في حجم النادي الأهلي. فالهزيمة القاسية التي تلقاها المنتخب الوطني من نظيره الغاني، أكدت أن هناك مباراة أخرى بين اللاعبين كانت تدور خلف الكواليس، ساهمت في التدهور الذي لحق بمنتخب مصر. والتداعيات التي خلفتها إشارة اللاعب عبد الظاهر قسمت الأهلي إلى إخوان وغير إخوان، حيث تسابقت بعض الصحف في نشر صور لاعبين ومدربين في النادي درجوا على الذهاب لاعتصام رابعة العدوية ومؤازرة جماعة الإخوان قبل فض الاعتصام في أغسطس الماضي. وعبر أنصار الإخوان عن تقديرهم لأحمد عبد الظاهر بذهاب المئات منهم إلى مسكنه والتظاهر أسفل منزله. وهو ما قابله اللاعب بالاستحسان.

الخطورة أن مباراة الإياب بين مصر وغانا في القاهرة يوم الثلاثاء 19 تشرين الثاني الجاري، ستكون غاية في الحساسية، ليس لأن مؤيدي الإخوان سيذهبون بالآلاف للوقوف خلف منتخب غانا، لكن لأن الجماعة أعلنت أنها ستخرج في هذا اليوم للتنديد بالمؤسستين العسكرية والشرطية، بمناسبة الذكرى الثانية لأحداث محمد محمود، والتي راح ضحيتها عشرات المواطنين بين شهيد وجريح، بالتالي سوف تتداخل الأوراق الرياضية بالسياسة في هذا اليوم، ويصبح لكأس العالم طعما في مصر مختلفا عن غيرها من الدول.


كاتب مصري

9