كأس العالم في رؤوس الأدباء: حرب من نوع آخر تستعر خارج الملاعب والمدرجات

الكرة، التي يطلقون عليها اللعبة الشعبية الأولى في العالم أو لعبة الفقراء، أصبحت هما واهتماما لدى الجميع، لأنها باتت مؤشرا ودليلا على الكثير من التحولات.
الثلاثاء 2018/06/26
صلاح ورونالدو وميسي وكروز شخوص في رواية واحدة

من يعيش أجواء كأس العالم هذه الأيام، بتفاصيلها اليومية، والدراما الفائقة التي يبرع في أدائها أبطال حقيقيون من لحم ودم، سيرى مع تلك التفاصيل غطرسة كريستيانو رونالدو، وكفاح المانشافات الألماني الذي أسعد العالم بهدف توني كروز في الدقيقة الـ94 قبل نهاية الزمن الإضافي للمباراة بثوان معدودات، وكذلك في ورطات محمد صلاح الرياضية السياسية وردود فعل الصحافة البريطانية عليها، ونظرات الانكسار في عيني ميسي الذي لم يتمكن من إنقاذ منتخب الأرجنتين حتى هذه اللحظة.

 وكرة القدم لم تعد تلك الكرة الجلدية المملوءة بالهواء التي يتقاذفها ويجري خلفها اثنان وعشرون لاعبا لتحقيق الفوز في ميدان أخضر شأنا رياضيا وحسب، فالكرة التي أطلقوا عليها اللعبة الشعبية الأولى في العالم أو لعبة الفقراء، أصبحت هما واهتماما لدى الجميع، لأنها باتت مؤشرا ودليلا على الكثير من التحولات الاقتصادية والاجتماعية بل وحتى السياسية والفكرية والثقافية.

المفكرون والأدباء لم يجلسوا في أبراج عاجية وينظروا من عليائهم بشيء من الازدراء لطقوس كرة القدم ونجومها، بل تفاعلوا معها واستعادوا في دواخلهم ذلك الطفل الذي كان يتمرغ في تراب الشوارع وهو يحاول أن يهزم أقرانه بكرة القدم.

من لا يعيش جنون كرة القدم؟

محمود درويش يتناول كرة القدم من زوايا رائعة تزيدنا اقتناعا أن هذا الشاعر العربي كان استثنائيا بكل شيء، فهو يجزم أن كرة القدم “حرب”، لكنها لا تشبه الحروب بفظاعتها وبشاعتها، بل هي “أشرف الحروب” لأنها تستمر 90 دقيقة وتنتهي بالمصافحة والعناق بين لاعبي الفريقين دون الحاجة لطاولات السلام المستديرة
محمود درويش يتناول كرة القدم من زوايا رائعة، فهو يجزم أن كرة القدم "حرب" لا تشبه الحروب بفظاعتها وبشاعتها، بل هي "أشرف الحروب" لأنها تستمر 90 دقيقة وتنتهي بالمصافحة والعناق بين لاعبي الفريقين دون الحاجة لطاولات السلام المستديرة

تساؤل يبدو ساذجا في بلد اشتهر بالبن وكرة القدم، حيث يعتبر الاقتصاديون البرازيليون أن كرة القدم ونجومها هم بمثابة الصناعة الثقيلة للبرازيل، لذا لن يكون مفاجئا أن يكون الروائي البرازيلي الشهير باولو كويلو واحدا من المغرمين بكرة القدم، مفسرا هذه العلاقة بينه وبين كرة القدم بالقول “البرازيليون يترعرعون على حب شيئين الموسيقى وكرة القدم، وأنا سرت في نفس الطريق، الحياة وكرة القدم أمران مختلفان كثيرا، عموما أنا متسامح باعتدال لكن كرة القدم والفريق البرازيلي يجعلانني في موقف متحيز دائما. وعندما يسألونني ما الذي يمكن أن أفعله في أوقات الفراغ خلال رحلات العمل، أجيب بالقول إنني ككاتب مشهور كثيرا ما أرفض الدعوات لزيارة المتاحف والمسارح، وأفضل مشاهدة مباراة بكرة القدم”.

لكويلو وجهة نظر مختلفة في جنون كرة القدم. يقول إنه و“في جلسة حوار في منتدى دافوس الاقتصادي، كان محور النقاش عن الأشياء التي تحرك العالم وكيف نخلق حالة البحث عن السعادة، وقد بدأت الكلام بالقول إن الشيء الأكثر أهمية هو كرة القدم لأنها ذروة الفن، ولأنها توحد الناس وتمنحهم شعورا رائعا للاحتفال وهذا يدعم روح الفريق بعيدا عن الشخصانية، فنحن بحاجة للعيش سوية كجماعة وأن نحترم اختلاف الآراء في ما بيننا. وكرة القدم هي أعظم استعارة مجازية بهذا الخصوص، وكأس العالم أبرز مثال على ذلك، حيث يسهم في زيادة خبرتنا الحياتية كأفراد ومجموعات”.

أما الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش في لقاء تلفزيوني حول كرة القدم قال “أعتبر كرة القدم أشرف الحروب”، وعند سؤاله عن فريقه المفضل لم يتوان عن التصريح بذلك قائلا “إنه ريال مدريد الإسباني”.

الإشارات التي طرحها درويش رائعة وموحية بالكثير وتزيدنا اقتناعاً أن هذا الشاعر العربي كان استثنائيا بكل شيء، فهو يجزم أن كرة القدم “حرب”، لكنها لا تشبه الحروب بفظاعتها وبشاعتها، بل هي “أشرف الحروب” لأنها تستمر 90 دقيقة وتنتهي بالمصافحة والعناق بين لاعبي الفريقين دون الحاجة لطاولات السلام المستديرة، أو موفدي المهمات المكوكية، فالحرب الكروية تضع أوزارها بمجرد أن يطلق الحكم صافرة النهاية.

وفي إحدى قراءاته الشعرية، استهل درويش كلمته بالتعجب من حضور البعض أمسية شعرية، في وقت تقام فيه مباراة بين فرنسا وإسبانيا، وأضاف “أنا من جهتي أُفضّل متابعة المباراة حتى لو كان من سيحيي الأمسية المتنبي”.

وبعد فوز مارادونا والأرجنتين بكأس العالم 1986 كتب درويش “ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟ مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمنّاه شهرا تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟ ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى: بطل.. بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه، وعلى أملنا فيه، من الانكسار؟ يا مارادونا، يا مارادونا، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟”.

 الروائي العربي الراحل نجيب محفوظ كشف في مذكراته أنه كان لاعبا ماهرا خسرته الملاعب الكروية وكسبته ساحات الأدب. وكانت علاقته مع الكرة قد بدأت عندما كان يلعب في فريق الصغار بالمدرسة.

هدف نجيب محفوظ

أكد محفوظ أنه كان يجيد اللعب بالقدم اليسرى فأصبح الهداف، لكنه في المرحلة الثانوية غيّر مركزه وبات يلعب كمدافع. ويضيف محفوظ عن نفسه “كثيرون ممن شاهدوني في ذلك الوقت تنبؤوا لي بالنبوغ في كرة القدم، وبأنني سألعب لأحد الأندية الكبيرة، ومنها إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطني، لم يأخذني من الكرة سوى الأدب، ولو كنت داومت على ممارستها فربما أصبحت من نجومها البارزين”.

بعد ابتعاده عن ممارسة اللعبة، شجّع محفوظ فريق الزمالك، وكتب رواية عن كرة القدم في الأربعينات، لكنه مزّقها، كما روى جمال الغيطاني في كتابه “المجالس المحفوظية”.

أما الروائي إبراهيم عبدالمجيد فيقول إنه كان لاعبا مميزا، بقي يتابع بشغف وحماس مباريات نادي الاتحاد السكندري، فيما لا يتلكأ بعض الأدباء عن التصريح بانتماءاتهم الكروية مثل يوسف أبورية الأهلاوي. فيما يربط ألفريد فرج الكاتب المسرحي الكبير بين المسرح والكرة معلنا عشقه لكرة القدم، ومتفردا بنظرته لها إذ يعتبرها شبيهة باللعبة المسرحية التي تتطلب صراعا بين طرفين أو نقيضين، ويسرف بالتشبيه فيشبّه شكل المسرح الإغريقي بشكل استادات كرة القدم.

عصر العلم وعصر القدم

أدب الأوروغواي يمتلك قصب السبق في الكتابة عن كرة القدم، وهذا ربما يعود إلى أن بطولة كأس العالم انطلقت بنسختها الأولى من الأوروغواي عام 1930.
أدب الأوروغواي يمتلك قصب السبق في الكتابة عن كرة القدم، وهذا ربما يعود إلى أن بطولة كأس العالم انطلقت بنسختها الأولى من الأوروغواي عام 1930

غير أن الشاعر العراقي معروف الرصافي كان أول من كتب قصيدة عن كرة القدم، وتحدث في أبيات شعرية عن حركة اللاعبين، وبعض قوانين اللعبة بقوله “قصدوا الرياضة لاعبين وبينهم كرة/ تراض بلعبها الأجسامُ/ وقفوا لها متشمرين فألقيت/ فتداولتها منهم الاقدامُ/يتراكضون وراءها في ساحة/ للسوق معترك بها وصدامٌ/ رفسا بأرجلهم تساق وضربها/ بالكف عند اللاعبين حرامٌ”.

وبالمطلق يخالف الأديب المصري الراحل توفيق الحكيم الجميع قائلا “انتهى عصر القلم. وبدأ عصر القدم”، بينما يظهر الكاتب أنيس منصور ندمه على تأخره في الوقوع في غرام الكرة، بالقول “مسكين كل إنسان لا يحب كرة القدم، هذا اقتناعي أخيرا، إنني أندم اليوم على كل السنوات التي مضت من دون أن أضيعها في الجلوس بالملاعب أو في المدرجات أصرخ وأصفق وأهتف للكرة تنطلق يمينا وشمالا، تهز الشبكة أو تهز الثلاث خشبات. كرة القدم أصبحت قوة اقتصادية، والبرازيل صنعت من أولاد الشوارع ثروة قومية، ومطلوب منا جميعا البحث عن مواهبنا وتشجيع لعب الكرة”.

ولعل أكثر الأمور التي شهدتها الصحافة إثارة، تجسدت في دخول بعض الأدباء العرب عالم الصحافة الرياضية من خلال أعمدة ثابتة يكتبونها في الصحف والمجلات الرياضية في ظاهرة تستحق الاهتمام و التقدير. ولكم أن تتصوروا كم هو مدهش عندما نقرأ في الصحافة الرياضية العربية أعمدة وزوايا لمحمود السعدني وخيري شلبي وصلاح منتصر وأحمد فؤاد نجم وعادل أبوشنب وشوقي بغدادي.

 وقد يسأل سائل ما الذي يدفع هذه الأسماء الكبيرة في عالم الأدب لخوض مغامرة الكتابة في مجال بعيد عن تخصصهم؟ لكن دعونا نتساءل بالمقابل عن الكم الهائل من المشاعر المتناقضة التي تصخب بها مدرجات الملاعب أليست موحية بالكثير لأدباء يبحثون بدأب حثيث لإغناء رصيدهم الأدبي بشخصيات حقيقية من لحم ودم تعيش مشاعرها دون زيف أو افتعال أو تصنع، وبمدرجات تمور بالكثير من مثل هذه الشخصيات العفوية البسيطة.

قصيدة لمارادونا

مزيج أدبي قوامه السياسة والتاريخ
مزيج أدبي قوامه السياسة والتاريخ

في أميركا اللاتينية لا يستطيع الأديب الانفصال عن واقع معاش يحمل شغفا بلا حدود بكرة القدم، فسهام النقد التي نالت الأديب الأرجنتيني بورخيس لكرهه للكرة لأنه لم يجد فيها مسحة جمالية، تحولت لإعجاب وتقدير ليس في الأورغواي فحسب بل في العالم كله للأورغوياني إدواردو غاليانو الذي أصدر كتاب “كرة القدم بين الشمس والظل”.

ولا يزال كتاب غاليانو يعتبر من أمتع وأجمل ما كُتب عن كرة القدم، ويبدو أن لأدباء الأوروغواي قصب السبق في الكتابة عن كرة القدم، وهذا ربما يعود إلى أن بطولة كأس العالم انطلقت بنسختها الأولى من الأوروغواي عام 1930. فالأديب الأورغواياني روبرتو خورخي سانتورو أصدر عام 1971 كتابا بعنوان “أدب الكرة”، وكتب ماريو بينديتي عدة قصص وقصائد عن الكرة أشهرها قصته “الجناح الأيسر” وقصيدته عن مارادونا بعنوان “وقتك الآن حقيقة”.

يفكك غاليانو في كتابه الذائع الصيت تفاصيل اللعبة الشعبية الأولى في العالم بمزيج أدبي قوامه السياسة والتاريخ، ولكنه يعترف في البداية “لقد رغبت مثل جميع الأورغوانيين فـي أن أصبح لاعب كرة. وقد كنت ألعب جيدا الليل فقط، فـي أثناء نومي. أما فـي النهار فأنا أسوأ قدم متخشبة شهدتها ملاعب الأحياء فـي بلادي، لقد مرت السنوات، ومع مرور الوقت انتهيت إلى القناعة بهويتي. فأنا مجرد متسول أطلب كرة قدم جيدة. أمضي عبر العالم حاملا قبعتي، وأتوسل فـي الاستادات: لعبة جميلة حبا بالله. وعندما أرى كرة قدم جيدة، أحمد هذه المعجزة دون أن يهمني قدر فجلة من هو النادي أو البلد الذي قدم ذلك اللعب الجيد”.

ويحسب لغاليانو أنه في هذا الكتاب كان أول من نبه للطريقة التي تحولت بها كرة القدم إلى “سلعة”، راصدا الخطوات التي بدأت منذ عام 1974 لاغتيال رومانسية كرة القدم وتحويلها للتجارة الأكثر ربحا.

مدرجات بوتين

الكرة لا تنفصل عن الطفل الذي يسكن في داخل الكاتب
الكرة لا تنفصل عن الطفل الذي يسكن في داخل الكاتب

في عام 1930 كان ألبير كامو الأديب الفرنسي الحائز على نوبل يحرس مرمى فريق كرة القدم في الجزائر التي كان يعيش فيها مع والده الجندي الفرنسي المحتل للجزائر، ولولا إصابته بمرض السل وابتعاده صغيرا عن خشبات المرمى الثلاث ربما كان سيصبح حارسا شهيرا. يبيّن كامو ما تعلمه من الكرة قائلا “تعلمت أن الكرة لا تأتي مطلقا نحو أحدنا من الجهة التي ينتظرها منها، وقد ساعدني ذلك كثيرا في الحياة، وخصوصاً في المدن الكبيرة، حيث الناس لا يكونون مستقيمين عادة”.

وبلا مواربة يعلنها الشاعر الأميركي الشهير ت.س. إليوت “أغبياء أولئك الذين يكرهون كرة القدم”، معترفا أنه كان يتهرب من الندوات التى يتصادف موعد انعقادها مع إقامة مباراة كرة قدم.

هى متعة شعبية لا أكثر ولا أقل، وليس كما يعتقد البعض بأن رؤوس الأدباء تسكنها الأفكار الرزينة فقط. فالكرة لا تنفصل عن الطفل الذي يسكن في داخل الكاتب، أجواؤها وحماسها وشغفها تحرك فيه الحنين والذكريات وتوحي له بالكثير لانتقاد استغلال الأنظمة الشمولية القمعية لإنجازات اللاعبين لتلميع صورتهم أمام الجماهير، وكأنهم هم أصحاب الإنجاز كما فعل هتلر وموسوليني. فالأخير كان يعتبر كأس العالم فرصة مثالية لإظهار القوة الفاشية للعالم كله.

الفيلسوف الفرنسي فابيان أولييه يعلن، على النقيض من كثيرين، مقته لكرة القدم، وذلك في كتابه الذي حمل عنوان “الوهم الرياضي، سوسيولوجيا الأيديولوجيا الشمولية”، وقبل المونديال الحالي طالب أولييه بمقاطعة المونديال في روسيا من أجل مقاطعة الدكتاتورية البوتينية، التي تستخدم احتفالية كرة القدم للحشد حول سياستها.

يقول أولييه “بالنسبة إلينا، هدف بوتين صريح؛ حرب المدرجات تصور مقدما مدرج الحروب المقبلة. كمحور للتكتل العاطفي، ولتوحيد الأفراد في تجمعات متنافسة، لقد خدمت لعبة الفوتبول دائما الاستبدادات الإمبريالية. بهذا المعنى، ألا يمكن الاعتقاد بأن هذه اللعبة ظاهرة شمولية؟”.

 هذا الاتجاه المناقض للشغف الكروي كانت له جذوره لو ابتعدنا قليلا عن هذه اللحظة. إذ نجد أن الروائي البريطاني جورج أورويل  كان يعتبر الكرة متعة سادية، وحربا دون إطلاق رصاص. وبمعنى مماثل قال الروائي الأميركي بول أوستر إن الكرة “هي البديل عن سفك الدماء، وأن البلدان تخوض حروبها في الملاعب بجنود يرتدون السراويل القصيرة”.

المفكرون والأدباء لم يجلسوا في أبراج عاجية وينظروا من عليائهم بشيء من الازدراء لطقوس كرة القدم ونجومها، بل تفاعلوا معها واستعادوا في دواخلهم ذلك الطفل الذي كان يتمرغ في تراب الشوارع
المفكرون والأدباء لم يجلسوا في أبراج عاجية وينظروا من عليائهم بشيء من الازدراء لطقوس كرة القدم ونجومها، بل تفاعلوا معها واستعادوا في دواخلهم ذلك الطفل الذي كان يتمرغ في تراب الشوارع

 

12