كأس العالم لكرة القدم دليل على إمكان التعايش

الخميس 2014/07/03
المنتخب الفرنسي ينتصر للوطن رغم تعدد أصول لاعبيه وألوانهم

تظاهرة كأس العالم لكرة القدم التي تتواصل فعالياتها في البرازيل، تتجاوز أبعادها المستويات الرياضية والاقتصادية والسياحية، لتقدّم برهانا على إمكان تجاوز الانتماءات الدينية والطائفية والمذهبية والعنصرية. فرق عالمية معروفة تتوفر على تشكيلات من اللاعبين لا تركّز على الدين أو اللون أو العرق، بل فقط على الانتماء إلى الأوطان، فكانت رسالة كثيفة الدلالات إلى المتشددين بمختلف مللهم ونحلهم.

مجرد الاطلاع على تشكيلات المنتخبات المشاركة في كأس العالم المنتظمة في البرازيل، يكفي لتبين أن أغلبها “متعدد”. حيث تجد المسيحي الكاثوليكي إلى جانب المسلم العربي مع الأورذوكسي من أصول جرمانية، كلهم يذودون عن انتماء وطني موحّد تنحسر معه تلك الانتماءات “الشخصية”. ظاهرة لم تكن سابقا ممكنة في منتخبات دول عُرفت بفخرها بأصولها؛ لم يكن ممكنا في السابق أن نرى لاعبا أسود يرتدي زي المنتخب الألماني أو الأنكليزي على سبيل المثال. لكن ازدياد منسوب الهجرة، وبروز الأجيال الثالثة وحتى الرابعة لمهاجرين رأوا جدارتهم بالانتماء إلى أوطان ترسخ فيها انتماؤهم، أدّت إلى “تلوّن” منتخبات تلك الأقطار، وأيضا إلى تقبّل فئات واسعة من الجمهور الرياضي الأوروبي (وغيره) للظاهرة.

في كأس العالم لعام 1998 التي نظمت في فرنسا، وعندما كان المنتخب الفرنسي يتقدم نحو التتويج، كانت بعض الأصوات اليمينية تندّد باكتساح البشرة السوداء للمنتخب الفرنسي، ونشير هنا إلى أن جان ماري لوبان (زعيم الجبهة الوطنية اليمينية) صرّح بعد فوز فرنسا بكأس العالم بأن “الفرنسي الوحيد الذي تعرّفت عليه هو رئيس الجمهورية” (إشارة إلى الرئيس جاك شيراك الذي استقبل آنذاك المنتخب الفرنسي في الإيليزيه). كان المنتخب الفرنسي في تلك الأثناء “يعجّ” بأسماء من أصول غير فرنسية على شاكلة؛ دجوركاييف (الأرميني) وزيدان (المسلم من أصل جزائري) وديساييه (الغاني) وتريزيغيه (الأرجنتيني) وغيرهم.

المنتصر في نهاية المطاف لن يسأل عن دين صاحب الهدف أو طائفة قائد الفريق، بل إن التاريخ سيحفظ فقط أسماء المنتصرين

انتصرت الجماهير الفرنسية في تلك الكأس لانتمائها الوطني وهللت لإنجازات زيدان التي ساهمت بفعالية في إبقاء الكأس في “ستاد دي فرانس″ للمرة الأولى في التاريخ الفرنسي. هنا تراجعت التصورات اليمينية والعنصرية للوبان وزمرته ممن كانوا يرفعون عقيرتهم بانتظام للقول بأن المجتمع الفرنسي مهدد في نقائه وأصوله، حيث أهدت تلك العناصر “الدخيلة” (بالمنطوق اليميني) لفرنسا إحدى مفاخرها التاريخية. بل كان ذلك المنتخب دليلا على قدرة المجتمع الفرنسي على استيعاب التنوّع والتعدّد، وعلى الارتفاع على انتماءات تحيل على ما قبل الحداثة.

تواصلت تلك الظاهرة بل ازدادت توسعا، أولا لأن المجتمعات الأوروبية أصبحت أكثر تعدّدا وتنوّعا تبعا لما سبق أن أشرنا إليه من توسع في الهجرة ونتائجها، وبالتالي أصبحت مواطنة الأفارقة أو المسلمين مسألة عادية ومعتادة، وثانيا لأن تلك العناصر السوداء (مثلا) برهنت على قدرتها على تقديم عطاء رياضي غزير (في كرة القدم وغيرها) وأثبتت أنها بدورها تقدم مواطنتها على انتماءاتها الدينية أو المذهبية أو العرقية. في هذه الدورة وصل “التعدّد” إلى منتخبات لم تكن لها سوابق في ضمّ لاعبين من أصول أفريقية أو عربية أو غيرها.

المنتخب الألماني سليل العقلية المفاخرة بأصولها الآرية الجرمانية، كان إلى عقود غير بعيدة لا يضمّ غير الألمان، لكنه دُجّج في السنوات الأخيرة بسامي خذيرة (من أصول تونسية) ومسعود أوزيل (ابن مهاجر تركي) وشكودران مصطفى (القادم من أصول ألبانية). المنتخب الأنكليزي، بدوره، استعان بخدمات رحيم ستيرلينغ صاحب الأصول الأفريقية.

الثابت أن منتخب كرة قدم (كما غيره من التعبيرات الرياضية والثقافية والفنية) يعكس بالضرورة حالة مجتمعية وتصورا ثقافيا ورؤية قيمية لبلد ما، وكل هذه العناصر تتضافر لتؤدي في النهاية إلى أن المجتمع السّوي هو الذي يقرّ ويعترف بأنه يتشكل من انتماءات فرعية متعددة تجتمع كلها تحت مظلة جامعة هي المواطنة والمساواة أمام الحقوق والواجبات. أما الانتماءات الدينية والطائفية والعرقية، فتحافظ على مجالها الشخصي الذاتي، ولا تتناقض مع أولوية وأسبقية المواطنة.

هل كان يهم المتفرج المتحمس المنتصر لوطنه، إن كان هذا اللاعب شيعيا أو سنيا، أو كاثوليكيا أو أرثوذوكسيا أو بروتسانتيا أو أنجليكانيا أو غير ذلك؟ هل كان الجمهور الرياضي يأبه للون بشرة اللاعب أو أصوله أو أصول أجداده؟

متابعة فعاليات كأس العالم، في نسختها البرازيلية، قدمت قرينة جديدة أخرى، على إمكان التعايش داخل وطن واحد بصرف النظر عن الاختلافات الفرعية الدينية والطائفية والعرقية. وأثبتت أن المواطنة انتماء سياسي حديث يعلو ويتجاوز الانتماءات الأخرى التي تجاوزها العقل البشري، لكنه لم يلغها بل أسبغ عليها صفة الخصوصيات الواجب احترامها وصونها، لكنها مع ذلك تظل انتماءات وعقائد وأشكال إيمان شخصية وذاتية، ولا يجب أن تتجاوز ذلك. والثابت أنه كلما تمكنت البشرية من تعزيز صلتها بالوطن والدولة كلما بنت مجتمعا سويا تعلو فيه قيم الحرية والتسامح.

كلما تمكنت البشرية من تعزيز صلتها بالوطن والدولة كلما بنت مجتمعا سويا تعلو فيه قيم الحرية والتسامح

كأس العالم لكرة القدم، وجهت صفعة للمغالين أيا كانت منطلقاتهم الفكرية. فرغم تمدّد الطروحات اليمينية المسيحية الأوروبية القائمة على دعاوى رفض الآخر الأجنبي أو المهاجر، إلا أن انتصار فريق وطني بمنتخب ملوّن ومتعدد أو فوزه بكأس العالم، يقدم برهانا لا يقبل الدحض بأن المجتمع قادر على استيعاب تعدّده وهضمه وتقديمه في صياغة راقية تنتصر للانتماء المُواطني وتحترم الاختلافات في الآن نفسه. ورغم توسّع الفكر الديني المتشدّد في الفضاء العربي الإسلامي، وبلوغه منسوبا عاليا من الغلوّ والتكفير وإقصاء الآخر المختلف حتى وإن كان منتميا إلى الفضاء نفسه، إلا أن رؤية منتخب يتقدم في نتائجه، ولا يهتم بدين لاعبيه أو طوائفهم كفيل بتقويض تلك الدعاوى، وإثبات أن الوحدة في الاختلاف.

حفلت الملاعب البرازيلية المحتضنة لمباريات كأس العالم بألوان العالم وجنسياته وأعلامه، لكن المنتصر في نهاية المطاف لن يسأل عن دين صاحب الهدف أو طائفة قائد الفريق، بل إن التاريخ سيحفظ فقط أسماء المنتصرين، والانتصار لن يكون للطائفيين المذهبيين العنصريين، بل سيحققه وطن يفرض القانون على الجميع، ولاعب ينظر إلى السماء كما يشاء.

13