كائن هجيني وواقع قاتم

السبت 2016/07/16

ليسَ ثمة من كائن هجيني تم تنزيل عقلٍ مُفارقٍ لحقائق الواقع ولفطرة العقل الإنساني في عقله، ويمكن للعين أن تبصرَ حضوره الباهظ في “واقع قاتم قائم” على سطح كوكب الأرض، لا في فضاءات سماواته المفتوحة أو في أجواف أُروضه المغلقة على كنوزها، إلا هذا الكائن الذي يملأ أركان المجتمعات المتخلفة التي درج أهل العقل والعلم في العالم الأول، وربما كذلك أهل العقل والعلم في العالم الثاني، على نسبتها إلى عالمين ثالث ورابع يقبعان في أدنى مرتبتين لتراتب العوالم البشرية التي تم تقسيمها إلى أربعة عوالم تتراتب هرميا بحسب قربها أو بعدها عن معطيات واسمة، وخصائص مميزة، ومعايير مدققة تم استنباطها عبر تحليلات متعددة الأوجه لسلسلة طويلة من الثنائيات المتعارضة التي يمكن ضفرها جميعا، وعلى نحو تصوري يستجيب لتفاوت درجات التقدم الحضاري بين بلدان العالم وشعوبه وأممه، في ثنائية كلية واحدة، وذات تشعبات يصعب حصرها، هي ثنائية: التقدم والتخلف.

وبطبيعة الحال، فإنه يمكن لأي إنسان عاقل أن يستدعي، في برهة تأمل وامضة، جميعَ مترادفات هذه الثنائية ذات المصطلحات المتحولة، والأقطاب المتعارضة المشتبكة في صراع محموم، أو المنخرطة في تفاعل خلاق، أو المتساكنة في خمول يكبح تفاعلها، والتي تبدو عصية على أي إحصاء أو حصر لكونها تخترق جميع أوجه الحياة الإنسانية وأنشطتها الواجبة، وتتجسد في كل خلية من خلايا المجتمعات البشرية، وتمارس حضورها المؤثر، بحسم قاطع، في تفاصيل كل بنية وهيكل وشيء من بنى الحياة وهياكلها وأشيائها القائمة على سطح كوكب الأرض وفي كلّ حيز من أحياز مساحاته ومدارات فضاءاته الواسعة.

ولسنا في حاجةٍ إلى الشروع في معاودة قراءة “الواقع المجتمعي القاتم القائم” في “بلاد العرب”، والانخراط في عمليات تقصّ استقصائي، أو استنباط تحليلي يتأسس على الانطلاق من درجة الصفر بغية التأكد من طغيان حضور هذا الكائن الهجيني في ما التأم، أو تفرق، من شعاب هذا الواقع المجتمعي وأصداع طوائفه ومذاهبه وعشائره وقبائله، وأطياف أعراقه وإثنياته، وهياكل كياناته النخبوية الفارغة، وخيوط أنسجته وذرات خلاياه، وفي مساحات واسعة من هذا الذي ندعوه “عالمنا الواحد” أو “قريتنا الكونية” التي هي هبة العقل العلمي والتقانة الحديثة ومنحتهما القدر والنظير، وسواء في ذلك أكان هذا الكائن قد تزود، أو قد زود، أو قد زود نفسه، بأي من العقول الصلدة أو المتكلسة أو المركبة اعتباطا وتعسفا والتي لا يليق أي منها إلا به، أو كان قد نسي، تحت وطأة إلغاء العقل أو انعدام الشعور بوجوده وبالحاجة إلى إعماله، التزود بعقل من أي نوع أو فصيلة كان.

ولعل هذا النَّمط من أنماط العقلِ الإلكتروني الاستهلاكي الحديث أن يكون قد صنّع، أصلا، في تلازم مع ترويج العقل الارتكاسي التكلسِي القديم، أو حتى في انفصال عنه، وحسب مقتضى الحال، لإشباع الحاجة إلى الاستمرار في اختلاق حاجات تستوجب الإشباع مما يستوجب الإمعان في الاستهلاك على نحو كلبي نهم يفتقد حاستي الذوق والتذوق فلا ينتهي ولا يتناهى؛ وما ذلك إلا لأن اختلاق الحاجات وابتكارها يتواكبان، على نحو حتمي، مع ابتكار السلع وتصنيعها؛ فما تصنيع الحاجات إلا تسويق للسلع وترويج لها، وما تصنيع السلع إلا إشباع لحاجات تم اختلاقها وترسيخ طلبها في النفوس كحاجات يتوجب إشباعها.

وليس من هدف أقصى، أو غاية نهائية، لهذا المسار الجهنمي لاختلاق الحاجات وتصنيع السلع وتسويقها عبر ترويج الوهم بالحاجة الماسة إليها، وهو المسار الذي لا نحتاج إلى البرهنة على وجوده الطاغي في عالمنا، إلا تكديس المال والسلطة والنفوذ في جيوب صناع هذه الحاجات وتلك السلع من أولئك الذين هم، في حقيقة الأمر، نخبة النخب الرأسمالية الاقتصادية والإنتاجية والتجارية والمالية جميعا، أو البعض من نخبة الناس الذين هم آلهة التحكم القسري في مسارات هذا الزمن التقاني المتفجر، الذي يجرف الإنسانية الحقة صوب سقوط مريع في أغوار هاوية جحيمية بلا قاع ولا قرار.

كاتب من فلسطين

16