"كاباريهت" حازم كمال الدين كتابة العراق والحنين المطلق

الاثنين 2014/10/06
المسرحي والروائي العراقي حازم كمال الدين يلجأ إلى حيلة الإبداع، لاستحضار وطنه إليه

رغم أن حازم كمال الدين المسرحي والروائي العراقي، مقيم خارج العراق منذ نحو ثلاثين سنة، ورغم أنه غادر العراق قسرا، إبان بطش النظام السابق بمعارضيه، إلا أن حنينه لوطنه ما زال مقيما في نفسه، حيث أنه ما زال غير قادر على زيارة العراق والإقامة فيه، لذا لجأ إلى حيلة المسرح والإبداع، لاستحضار العراق إليه.

لقد استحضر كمال الدين في روايته الثالثة، المنشورة حديثا عن دار فضاءات في الأردن، حيث تمثل عمان له أقرب نقطة للعراق، وربما كان هنا يرغب في أن تطير حروفه إلى وطنه المحروم منه منذ سنين طويلة سريعا، استحضر آخر صورة للعراق في مخيلته، والمخيلة ساكنة، تحتفظ عادة بآخر صورة، والتي كانت بالنسبة إلى حازم صورة قاسية، صورة المعتقل، الذي قضم أصابع يده، وسحق أصابع قدميه.


الفضاء الحركي


لكن الذاكرة أيضا تحفظ صورة مقروءة، وحيث هي ذاكرة مثقف، فهي ممتلئة بآخر صورة للاحتلال الأميركي لأعظم عواصم الدنيا في الألفية الأولى. ورغم أن خبرة وتجربة كمال الدين المسرحية كانت تتسلل إلى النص الروائي بما لا يغفل عنه قارئ فطن، وتشي بما في المسرح من خصوصيات وسمات، مثل الحركة والإيقاع، الأمر الذي وشى به الكاتب نفسه، حين وسم نصه بـ”كاباريهت”، ولم يقصد أن فضاء الرواية، أو أن أحداثها تدور في ملهى ليلي، مثل فيلم “كباريه” على سبيل المثال، بل قصد أن فضاءه إنما هو فضاء معبأ بالحركة، والتي هي مرادف للحياة ونقيض للسكون والموت.

من الممكن القول بثقة بأن رواية “كاباريهت” فيها روح المسرح، رغم قلة عدد شخصياتها، ورغم أن الحوارات أيضا قليلة، ولكن من قال بأن المسرح الحديث، الذي يعمل فيه وينظّر له كمال الدين في بلجيكا، هو مسرح النص العربي/ الشرقي التقليدي، فالمسرح الحديث في أوروبا صار مسرح بانتوميم، ومسرح الجسد بامتياز، الذي قلما تجد فيه نصا أو حوارا أو كلاما، لكن، كما أشرنا، نقصد الإيقاع والحركة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكاتب أعلن في النص نفسه، رفضه للتجنيس الأدبي، أو على الأقل الأشكال التقليدية في الكتابة. كذلك يمكننا القول بأن خطوط السرد في هذا النص الروائي كانت عبارة عن مستويين سرديين -كما في معظم النصوص الروائية- وهما خط سرد الراهن الروائي، المتابع بأحداثه للسارد، أو بطل النص، أو حتى شخوصه، والذي يشكل الزمن الروائي، والخط الثاني هو خط السرد المتابع لأحداث مختزلة في الذاكرة، والتي هي عادة قد وقعت قبل البدء بكتابة النص، وهكذا يمكن القول بأن الخط السردي الأول كان خط شخصية السارد، داليا رشدي، فيما كان خط السرد الثاني هو المرتبط بشخصية زوجها سندباد.

إن قراءة واحدة لا تكفي لاستيعاب محتوى نص مثل هذا النص الذي يهجس بالقول، ويرتعش بالمفارقات

منذ البداية وفي المفتتح بالذات، تقول الساردة إنها تسعى إلى كتابة رواية، وإنها قبل أن تشرع في كتابة النص، خطفوا زوجها سنة 2007، هذه الواقعة إذن هي ذات دلالة وتأثير على الساردة (هنا يمكن ملاحظة أن كثيرا من الكتاب الروائيين بدؤوا منذ وقت يكتبون على لسان سارد مؤنث، ربما لمجاراة مرحلة ما يسمى بمرحلة الثقافة المؤنثة، أو كإعادة الاعتبار لأهم ساردة في التاريخ، شهرزاد). المهم أن حادثة الخطف، كان يمكن أن تكون بؤرة النص، ومركز الحكاية كلها. وكان بذلك يمكن بناء نص روائي، حتى لو كان من طبيعة “الأكشن”، لكن ذلك لم يحدث، فقد آثر الكاتب أن يرصد تحولات شخصية الساردة/ البطلة، وليس شخصية سندباد التي ظلت غائبة/ حاضرة، ولم يعرف في نهاية الأمر مصيرها، وكأنها ترمز إلى العراق نفسه، الذي بات مخطوفا بفعل الاحتلال الأميركي له، وما أحدثه من تحوّلات في المجتمع العراقي، وصلت بالأمر إلى أن يشي الصديق، علاءالدين بصديقه سندباد، من أجل الفدية، وهي واقعة انتشرت فعلا في عراق ما بعد صدام حسين، بسبب انهيار الدولة، وانعدام الأمن الشخصي والجماعي.


الواقع المتخيل


رغم أن الكاتب حاول التأثير على القارئ، من خلال تقديم نص غير تقليدي، قال في بدايته إنه مقطّع إلى فصول، ليس من الضروري قراءتها بالتتابع، وهذا فعلا ما يحدث في الواقع، حيث عادة ما نكون نحكي قصة، ثم نتحول فجأة إلى أمر اعتراضي، ثم نعود للقص مجددا وهكذا، لكن في حقيقة الأمر، فإن ترتيب الفصول، كما جاء في الكتاب المطبوع، كان أمرا ضروريا، لمتابعة النص والإحاطة به بشكل جيد، رغم ذلك، فإنه يمكن القول إن قراءة واحدة لا تكفي لاستيعاب محتوى نص مثل هذا النص الذي يهجس بالقول، ويرتعش بالمفارقات.

الرواية تعيد الاعتبار لأهم ساردة في التاريخ

وحيث أن كتابة النص، على ما يبدو، جاءت على وقع الحنين للوطن، فإن احتواءه على مفردات اللهجة العراقية، كان جميلا ورقيقا للغاية، ويبدو أنه تحقق لما اعتدت على قوله من أنك أنت في النص كما أنت في الواقع، فرقة ودماثة حازم كمال الدين الشخصية، قد ظهرت في لغة هذا النص.

داليا رشدي، هو اسم البطل المركزي، والسارد في نفس الوقت، وهي الشخصية التي تخفّى وراءها الكاتب على أيّ حال، ثم هناك شخصيات أخرى أساسية، أهمها سندباد وعلاءالدين، زوجا داليا، والصديقان الحميمان، وطرفا المفارقة، حين ذهبا في مهمة إلى المنطقة الخضراء، ومن ثم اختفى سندباد، ليس في مهمة بحرية كما هو حال الشخصية الأسطورية، لكنه اختفى مخطوفا، من قبل جناة يبحثون عن المال عبر الفدية، التي تم دفعها أكثر من مرة، ومن ثم تكون المفارقة/ الفاجعة، حين تكتشف داليا بأن من وشى بزوجها الأول المختطف، هو زوجها الثاني، الذي تزوجته بعد ذلك، أي علاءالدين الصديق المقرب لسندباد، فتقوم، بدافع من الوفاء الأخلاقي فحسب، بدفن علاءالدين حيا.

كان ذلك رغم أن داليا لم تكن تحب سندباد، بل إنها بعد نحو ثلاثة عشر عاما، فكرت في خلعه، وحتى في التحوّل الجنسي، بعد أن كرهت جنس الرجال، وكان لهذا أسبابه الخاصة بها لكونها وحيدة أبويها، أما الأسباب العامة فهي نتيجة ذكورية المجتمع العراقي. ما يهمّ في هذا الجانب هو دلالة الأسماء، المستوحاة من حكايا ألف ليلة وليلة، فسندباد كما هو معروف رحالة، جاب البحار للاتصال بالعالم الخارجي، فيما علاءالدين، كان صاحب المصباح السحري، الذي يحقق له كل ما يريد دون أن يبذل جهدا.

15