"كابتشينو" رواية تزج بالشعراء في جنة السرد

الخميس 2014/03/06
رواية السيد حافظ يربط أحداثها خيط سردي موحد ومتماسك

الإسكندرية - على خلاف بقيّة الحضارت الشرقية قريبة الحدود والذائقة، لم يهتمّ العرب بتدوين الحكايات، خارج أطر صناديق الشعر الموقّع وضوابطه، المحفوظ في الذاكرة أولا ثمّ في الرّقع والصحف المرافقة للقوافل التجارية والسائرة للأمصار والبلدان. وكأنّما قُسّم الأدب عمدا إلى شطرين، شطر يُذاع للعامة، وشطر يُحفظ في الصدور، وخلف بوابات وجدران القصور. فكان فضاؤها المجالس والندوات الخاصة ومخادع السُلطان والسُمّار والدّيوان.

منذ بداية القرن الثاني للهجرة، ومع ازدهار عصر الترجمات وتراكم المؤلفات المترجمة للغة العربية، والتي أعقبها عصر الردود في القرن الثالث وميلاد أول المؤلفات الفلسفية المدوّنة، بدأ العرب يشهدون ميلاد وتطوّر شكل جديد من أشكال التعابير الثقافية، وهو السرد أو الرواية المُدوّنة، المستقلة -مبنى ومعنى وغاية- عن كتب التاريخ والتأريخ والأحاديث الموثقة بالعنعنات المُدلّة وغيرها.

وكان ميلاد أوّل رواية فنتازيا بكلّ ما تعني الكلمة من معنى في القرن الرابع للهجرة، وأعني طبعا، رواية “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري، الرائد الفذ الذي وصل باللغة إلى حدودها القصوى، بلاغة، وإبلاغا. وفي اعتقادي، أنّ هذه الرواية المذهلة، لم تنل حظها بعد من الدراسة والبحث.

المعري رائد السرد


كان لا بدّ وأن أجد مدخلا مناسبا وحميميا لهذه الرواية التي بين يديّ الآن، وأعني رواية “كابتشينو” للكاتب المسرحي والشاعر الأسكندراني السيد حافظ الصادرة منذ مدّة قصيرة، عن دار “رؤيا” للنشر والتوزيع بالقاهرة وهي الرواية الرابعة، من ضمن رباعية، بدأها الكاتب، برواية قهوة سادة، ثم رواية نسكافيه، ثم هذه الرواية كابتشينو، وهو بصدد إنهاء مخطوط لرواية أخرى بعنوان شاي أخضر.


طاولات الحكايا


الكاتب يتعمّد أن تكتمل هذه الحبات في خيط سردي موحّد ومتماسك، من خلال العناوين التي تحيل إلى دلالات ملحّة وإلى معان لا تخفى على الغافل، فما بالك، بالقارئ الفطن النافذ لخبايا وبؤر الدلالات في النصوص.

المقاهي في مصر كوة الرحمة للفقراء الذين يكتفون من الدنيا بحكاية وخبر ونكتة يرتشفون معها فنجان القهوة

وأين لك أن تطلب القهوة السادة، أو النسكافيه أو الكابتشينو أو الشاي بالنعناع، في غير مملكة البنّ المحنّك وطاولات الحكايا والنميمة و”القفشات” والضحك والسمر والمنادمة واستدراج الحكاية وتوضيب الخبر، يقينا كان أو مشكوكا فيه، أين يمكنك أن تجد كلّ ذلك في غير المقاهي.. تلك التي عليك أن تعرّفها للغرب على أنها أماكن للحديث والجدال والنقاش الحاد والنميمة الملهمة، وليست محلات للشرب والتأمّل ومصاحبة الزوجة لشرب فنجان في صمت كما يعتقدون وكما تعوّدوا عليها.

فالمقاهي في مصر عوالم لا تشبه أي مكان آخر، ففي حين أنها في شمال أفريقيا مكان للعب الورق والشطرنج وترشف المشروبات الغازية الباردة على عجل.. فهي في مصر، عبارة عن مجالس وملاذ الفقراء والموظفين ومن ضاق بهم البيت وحاصرتهم الجدران الإسمنتية، والضيق، ضيق النفس أو ذات اليد، فهي ملتقى السمّار من الموظفين الصغار والمدرسين والطبقة الوسطى في رمضان، والأعياد والعطل الأسبوعية، وهي كوّة الرّحمة للفقراء الذين يكتفون من الدنيا بحكاية وخبر ونكته يترشفون عليها كأس الشاي المسكّر أو فنجان البنّ المُحنّك المضبوط أو المرّ أو المُحَلّى بالسكّر الزيادة…

من هنا، ومن هذا المدخل الغريب بالذات، يمكن أن نلج عوالم هذه الرواية الطريفة، فهي خليط عجيب غريب غير مخلص لجنس أدبي بعينه، ومارق عن كل شكيمة أو تصنيف، فلا هي بالرواية، كما نعرف الرواية في شكلها الحداثي أو الكلاسيكي، بتعدّد شخوصها وفضاءاتها الزمانية والمكانية، ولا هي بالقصة الطويلة، ذات الخيط السرديّ الواحد والفضاء المحاصر، ولا هي كتاب رحلات، ولا هي كتاب نقدي، ولا هي سيرة ذاتية، ولا هي كتاب في التاريخ، ولا هي تقاطعات جغرافية، ولا هي كتاب أسئلة، ولا هي كتاب يلهث وراء أجوبة، ولا هي مؤطرة بزمن الحاضر ولا هي تهوّم في زمن غابر، ولا هي شعر فقط، ولا هي سرد غير متقطع؛ بل هي كلّ ذلك معا.

روح صوفية


الكتاب يوثق للشعراء القدامى والمعاصرين، فهو رحلة في التاريخ، و تقاطع مع الجغرافيا، وهيو سيرة شبه ذاتية بتفاصيل وشهود ووقائع مؤكدة، وهو فنتازيا ضاربة بعروق متينة في رحم الأرض والواقع، وهو تلمّظ المرّ، وتجليات بطعم السكّر ضاربة في الروح الصوفية وهو توثيق ومتابعة دقيقة، وهي كلّ ذلك معا.

ويكفي أن تعرف أن الكاتب، استشهد خلال أربعمئة صفحة بواحد وستين شاعرا مصريا، وعربيا من المعاصرين الأحياء، وخمسة شعراء عالميين هم رامبو ولويس أراغون وبول إيلوار وألكسندر بوشكين وبودلير.. وثلاثة شعراء من كبار الشعراء العرب الأموات في الحياة والأحياء في النص، وهم أبو الطيب المتنبي وأحمد مطر ومحمود درويش. وحين أذكر أنه استشهد بهم، فلا أعني كما قد يتبادر للبعض أنه ذكر أسماءهم، بل هو استشهد بمقطع طويل أو قصير أو بقصائد كاملة لكلّ واحد منهم، وبأمانة حيث لم يذكرهم فقط في الحاشية، ولكن في المتن أيضا.

جنة السرد

كتاب السيد حافظ مقسّم إلى قسمين: دائما وفي كلّ صفحة، المتن والحاشية. وحين تقرأ المتن، لن تجد أيّة علاقة له بالحاشية، فكأنما هي رواية وكتاب مستقل وقائم بذاته. وهذا نادر جدا، في السرد العربي.

أعود الآن إلى ما صدّرت به هذه المقالة، إلى معلّمنا الروحي المعري. ولماذا استنجدت به في مدخل حديثي وتقديمي هذا لهذه الرواية؟ السبب هو أن مشروعيّة تصنيف هذا العمل الإبداعي، كرواية، يبرّره ما سبقه إليه المعري الذي زجّ بالعشرات من الشعراء في جنّة الغفران، واستنبط حيلة فذّة، للسخرية من شخصيته الرئيسة “ابن القارح”. فجنّة المعري لم يدخلها إلا الشعراء الأخيار منهم والأشرار، وجنة السيد حافظ، أو لنقل مقهاه، لا يدخلها إلا من يراهم يستحقون أن يكونوا الندماء والأحبة والأصحاب.. وما استحضارهم ومناداتهم من دواوينهم إلى هذه الرحلة السردية، إلا دليل على أنه ارتضاهم واختارهم.

14