"كابوتشينو" رواية لبنانية عن العنف الذكوري في الأسرة

ما زالت الأسرة الدعامة الأساسية للمجتمع وشبكة أمان الفرد التي تساهم بتشكيل بنيانه النفسي وطبيعة سلوكه الاجتماعي، وبالرغم من الصورة الملائكيّة التي من المفترض أن تمتلكها الأسرة، يحضر العنف أحيانا في تكوينها، ليتحوّل فضاء المنزل إلى جحيم لا يطاق، ولا يقتصر هذا العنف على الطبقات الفقيرة، بل يحضر في كافة فئات المجتمع على اختلاف مستواها المادي والاجتماعي، فالتعنيف اللفظي والجسدي يُهدد تماسك الأسرة، وخصوصا أنه في أغلب الأحيان يطبّق على الأبناء والأم من قبل الأب، أو أي ذكر صاحب سلطة، ما يؤدي غالبا إلى نتائج مأساوية غير متوقعة.
الخميس 2017/08/10
التواطؤ على الصمت جريمة

يلتقي المراهقان أنس ولينا في رواية “كابوتشينو” مصادفة في صالة اليوغا التي يرتادانها، لكلّ منهما أسراره العائلية التي يخشى مشاركتها مع أحد، وبعد تعارف خجول بينهما يقعان في الحب، ليبدأ كل منهما بمعرفة خفايا حياة الآخر وما يعانيه من مشاكل أسرية تصل حد العنف والضرب المبرح.

هذا الموضوع الحساس، تقدّمه لنا الكاتبة اللبنانية فاطمة شرف الدين في روايتها المخصصة للناشئة بعنوان “كابوتشينو” الصادرة عن دار الساقي، التي نقرأ فيها كيف تعاون أنس ولينا في سبيل الوقوف بوجه ما يتعرضان له من تعنيف كاد أن يدمّر حياتهما.

ونقرأ الرواية بصوتي أنس ولينا، فأنس يقضي وقته مع أصدقائه أو بصناعة السفن الخشبية في غرفته وحين يلتحق بصالة لليوغا يتعرف على لينا الفرنسية-الأميركية -اللبنانية، لتتوطد علاقتمها شيئا فشيئا ويبوحا لبعضهما البعض بما يعيشانه، فأنس يشهد يوميا تعرض والدته للضرب من قبل والده الذي لا مشكلة لديه إن طالت صفعاته أنس وأخته الصغيرة، كذلك لينا.

فهي ووالدتها وأختها عدن من فرنسا إلى بيروت ليعشن هناك بعد وفاة والد لينا، وفي بيروت يخضعن لسيطرة أمجد، عمّ لينا الذي سرق ما ورثنه عن الوالد ويتصدق عليهما شهريا بما يشابه المصروف، إلاّ أن الكيل يطفح حين يقرر أمجد تزويج ابنه سعيد من لينا، ما يدفع والدة الأخيرة لمواجهته رافضة ما يحاول القيام به.

المواجهة

ترسم الرواية الفضاءات التي يمارس فيها العنف بأنواعه، فأنس وبعد أن شهد والدته تنهار جسديا من الضرب، يتعارك مع والده، ويخرج بوالدته الملطخة بدمائها من المنزل نحو المستشفى، كما تقرر والدة لينا العودة إلى فرنسا هربا من سطوة أمجد، وخصوصا أن القانون لا يقف بصفها، فأموال زوجها لا تعود لها ولأسرتها لأن لا ابن لها، ما يجعل أمجد بالتوكيل الذي يمتلكه الوصيّ على الثروة والمتحكم بها مبتزا بذلك لينا وأختها ووالدتهما.

وتنتقد الرواية أيضا المؤسسة القانونية التي تهضم حق الزوجة والأطفال كما في حالة لينا وأسرتها، كما تقدم الحلول المتوافرة لمواجهة العنف الجسدي كحالة أنس ووالدته، اللذين يلجآن لمنظمة “تمكين” التي تحمي النساء المعنّفات.

وإثر ذلك تقرر والدة أنس الطلاق من زوجها بالرغم من معارضة والدتها، كون الطلاق فضيحة اجتماعيّة، ولا بد أن تحافظ الزوجة على “منزلها” مهما كانت العواقب، لتقرر والدة أنس إثرها أن تطبق الحماية، التي تعني قانونيا أن يترك زوجها المنزل شهرا ليعود بعده مع أمر بعدم التعرض لزوجته، وإلاّ سيكون مصيره السجن.

رواية الوجع

أزمة الانتماء

تبرز الرواية الصراع الاجتماعي الذي تواجهه المرأة التي تحاول الوقوف بوجه العنف الممارس عليها، فخسارة والدة أنس لزوجها إن طلبت الطلاق ستكون نتائجه شبه كارثية، ما دفعها للتمسك بأسرتها حتى آخر رمق، كذلك نرى أن رحيل لينا وأسرتها إلى فرنسا، سببه أن القانون يحمي الوصيّ على أموال والد لينا ولا يمكن انتزاع حق الأسرة منه، ليكون الرحيل خيارا آمنا، وكأن محاولة تغير القوانين لا طائل منها.

وهنا تبرز الصورة المثالية التي ترسمها الرواية، فلينا وأسرتها تمتلكان الجنسية الفرنسية، بالتالي من السهل عليهما مغادرة البلاد، علما أن ذات السيناريو كان من الممكن أن ينطبق على أنس وأسرته اللذين يمتلكان الجنسية الألمانية، مع ذلك فالرواية تقدم الكثير من المعلومات لقرّائها عن كيفية التعامل مع حالات العنف الأسري، إلاّ أنها تمثل طبقة اجتماعية من السهل عليها أن تترك كل شيء وترحل، لا الطبقات التي تنتهي فيها هذه الحالات أحيانا بصورة مأساوية تبقى طيّ الكتمان.

وتكشف الرواية أيضا عن العوالم الخصوصية للمراهقين، كمشكلات الهوية التي تواجهها لينا وعدم شعورها بالانتماء، إلى جانب المشكلات النفسية التي عانى منها أنس وأخته، فالأخيرة فقدت القدرة على الكلام بعد أن تعرضت لتعنيف من قبل والدها، كذلك أنس، الذي يلجأ لدفتر مذكراتها مفرغا فيه مشاعره وغضبه ممّا تمر به والدتها، وبالرغم من ظنه بداية أن لا أحد يعلم ما يجري في المنزل، إلاّ أنه يكتشف أن كل من حوله من جيران على دراية بذلك.

فحميمية فضاء الأسرة يفضحها العنف الذي يمارسه والده ما يجعل حس الأمان يتلاشى، وما يرسخ ذلك هو صمت أولئك الذين يعلمون بما يحدث.

فحتى عمّ أنس الذي يعرف سبب تصرفات أخيه نراه صامتا، هو يعلم تعرض أخيه للتعنيف حينما كان صغيرا، وإثر ذلك يكرّر ممارسات والده على زوجته وأطفاله، لكن لا أحد يتدخل خوفا من تحطيم الأسرة، كأننا أمام تواطؤ على الصمت سببه رعب الفضيحة.

14