كابوس السعادة

الاثنين 2014/11/10

هل السعادة حلم يتحوّل إلى كابوس؟ هل هي كلمة مأسورة في المعاجم والقواميس ولا تستدلّ إلى طريقة للتجسّد في الحياة؟ هل هي فخّ الحالمين الهاربين من واقعهم وأحزانهم؟ مَن هم السعداء؟ هل هم أولئك الذين يظلّون دائمي الضحك والابتسام؟ ألا تكون الابتسامات في كثير من الأحيان قشورا تخفي خلفها تعاسة إجراميّة؟ هل من وصفة يمكن تطبيقها للوصول إلى السعادة والحصول على بعض أسرارها؟

السعادة والتعاسة. ثنائية تظلّ حاضرة وفاعلة في حياة أيّ امرئ، إذ يظلّ السعي إلى الأولى حلما متوقّدا، ومحاولة تلافي الثانية منشودا متجدّدا. يضع المرء نفسه دريئة في مهبّ سهام أفكاره وأوهامه، يطلق حملته نحو السعي إلى سعادته المأمولة، يؤجّج نيران يقينه بالقادم السعيد، يحاول تناسي أيّ منغّصات من ماضيه، ويتغافل عن معكّرات حاضره.

في خضمّ الواقع المفجع، تكون هناك أشياء تبدو بسيطة ترسم خريطة سعادة المرء أو تعاسته. ولكلّ إنسان فردوسه المتخيّل، فقد يكون الفردوس مكتبة، على طريقة بورخيس، أو قد يكون ملعبا على طريقة عشّاق اللعب، كما قد يكون تعويضا عن المفقودات الكثيرة في الحياة بالنسبة لآخرين، سواء كانت تلك المفقودات متعا أو ملذّات، خيالات أو أوهاما.

لا يمكن تحصيل السعادة المتخيّلة، لأنّها تبقى المثال الذي يرنو إليه الإنسان، ويسعى إليه جهده، وهي تبدو كنقيضتها التعاسة، آنيّة، لحظيّة، مسترقة من فم الزمن المفتوح على مختلف الاحتمالات والغرائب. الكهف فيه رديف البركان، والإنسان المعاصر نزيل كهوفه وبراكينه معا. نزيل سجن تعاسته المستديم، وزائر محطّة سعادته المؤقّتة.

يظلّ الناس مسكونين بحيرة لا تفتأ تشحذ نفسها في مواجهة التخمينات والظنون. فالبحث عن تعريف جامع مانع للسعادة يربك السعاة الراغبين في الإقامة بفراديسهم الدنيويّة، في حين أنّها محض تخيّل متراكم على شكل طبقات، وفي صيغة لوحة مؤطّرة تعاقب على رسمها وتلوينها عدد من الفنّانين.

يحفر الإنسان في لوحة سعادته المحفوظة في قلبه، يمارس دور المنقّب عن لآلئه المخبوءة وكنوزه الدفينة، لكنه يصطدم كلّ مرّة بالخيبات، ينتكب، يكتئب، يجدّد أمله بالبحث ثانية، ويسعى إلى ترميم عطب روحه، فيستبشر بما قد يعثر عليه، لكنّه لا يقبض إلّا على أضغاث سعادة هاربة.

ربّما يكمن سرّ السعادة في كونها لغزا يجتهد الإنسان منذ بدء الخليقة لإيجاد السبل إليها، لكنّه يدور في حلقة ذاته، ويعود إلى النقطة التي يبدأ منها، لينطلق من جديد في فلكه، يشرع للتعاسة الأبواب في درب السعي وراء السعادة؛ التي تظلّ الحلم الكابوس، صورة الدواخل، لعبة القدر، ولعنة الواقع.


كاتب من سوريا

15