كابوس الوباء يُحكم قبضته على سوق العمل الأردني

حكومة عمر الرزاز عالقة في مأزق ضغوط أوساط الأعمال وتحدي ارتفاع معدل البطالة.
الخميس 2020/05/21
ترتيب التوازنات مهمة مضنية

دفعت بواعث القلق من التداعيات المدمرة لوباء كورونا الأوساط الاقتصادية الأردنية إلى حث السلطات للإسراع في اعتماد خطة طارئة لمواجهة ارتفاع معدلات البطالة المحتمل بعد انتهاء فترة الإغلاق لبلد يعاني أصلا من أزمات لا حصر لها جراء موارده المالية الشحيحة.

عمان - شرع خبراء الاقتصاد في الأردن في تحسس انعكاسات فايروس كورونا على سوق العمل، والذي يعد أحد الكوابيس المزعجة للحكومة في طريق تنفيذ الإصلاحات المتباطئة.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية جراء التدابير الاحترازية المتبعة لمواجهة الوباء، فقد الكثير من العاملين والعاملات وظائفهم، خاصة في المهن غير الرسمية، والبالغ حجمها 48 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبدو السلطات في مأزق لا يحسد عليه نظرا للمشاكل الهيكلية التي تعاني منها المالية العامة، وعدم قدرتها على معالجة أكثر الملفات تعقيدا في زمن كورونا على قواعد مستدامة.

وتصاعدت الدعوات لدراسة المشكلات التي حلت بالقطاعات الاقتصادية بعد تعرضها لخسائر كبيرة جراء توقف الإنتاج والتصدير وعدم التوريد للسوق المحلية، فضلا عن ضعف الإقبال من المستهلكين.

ونسبت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا) إلى رئيس مركز بيت العمال للدراسات حمادة أبونجمة قوله إن “ظروف العمل تغيرت خلال أزمة كورونا، ما يتطلب مراجعة واقع سوق العمل واحتياجات القطاعات من العمالة”.

وأوضح الأمين العام الأسبق لوزارة العمل أن قطاعات تعثرت ومؤسسات توقفت لفترات طويلة، خاصة تلك المرتبطة بالسياحة والخدمات والصناعات التحويلية، مرشحا زيادة معدلات البطالة نظرا لتوقف تلك الأعمال وعدم الحاجة للعمال.

وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن يرتفع عدد فاقدي أعمالهم في الأردن بنحو 80 ألفا من أصل 830 ألفا يعملون في القطاع الخاص.

الآلاف فقدوا وظائفهم، خاصة في المهن غير الرسمية، البالغ حجمها 48 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي

وتصب الترجيحات في أن يكون السيناريو الأسوأ لسوق العمل هو تراجع النمو بنحو 6.5 في المئة في ظل مؤشرات عدم قدرة معظم القطاعات على الصمود أمام الأزمة، والخشية من عدم قدرة السياسات الحكومية على احتوائها بشكل فعال خلال الأشهر الأربعة القادمة.

وهذا الأمر سيتسبب في فقدان الآلاف من الوظائف في مختلف القطاعات، فضلا عن الشريحة الواسعة من العمال الذين ستتأثر مداخيلهم بشكل ملموس نتيجة انقطاعهم المؤقت عن العمل والمتوقع أن يصل عددهم إلى ما يقرب من 400 ألف عامل.

ويرى أبونجمة أنه لا يوجد بديل في الفترة الحالية، إذ أن هيكل المتعطلين غالبيتهم متعلمين بمستوى جامعي أو متوسط، أما غالبية العمالة الوافدة غير متعلمة، ما يعني أن 95 في المئة منهم يمارسون أعمالا لا يقبل المواطن في العادة العمل فيها.

ولم تصدر دائرة الإحصاء العامة حتى الآن بيانات الربع الأول من العام الجاري حول معدل البطالة، لكن آخر الأرقام تؤكد أنها استقرت عند 19.2 في المئة بنهاية العام الماضي مرتفعة بنحو 0.3 في المئة بمقارنة سنوية. وتعتبر هذه النسبة الأعلى منذ قرابة العامين حينما بلغت مستويات البطالة حاجز 15.8 في المئة في الربع الثالث من 2017.

ودخلت سوق العمل في منافسة قوية مع العمالة السورية، بينما يبلغ إجمالي عدد السكان 9.53 مليون منهم 2.9 مليون غير أردني، بينهم 1.3 مليون سوري، والباقي يمثلون جنسيات مصرية وفلسطينية وعراقية ويمنية.

وما يزيد من مشاكل البطالة تواجد العمالة الوافدة المخالفة، التي يعمل جزء منها في أعمال قد تمس بفرص عمل الأردنيين، إذ تشير التقديرات إلى أن هذه الشريحة تبلغ نحو 30 في المئة من العمالة الوافدة. كما أن استغناء دول الخليج عن العمالة الأردنية بعد إضافي لاحتمال انفجار فقاعة البطالة بوجه حكومة عمر الرزاز.

تدهور القدرة الشرائية
تدهور القدرة الشرائية

ووفق بيانات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، يبلغ عدد العاملين بالصناعات التحويلية المسجلين رسميا نحو 190 ألفا منهم 80 ألفا غير أردنيين، فيما يعمل في التعدين واستغلال المحاجر تسعة آلاف منهم نحو 1300 غير أردنيين.

كما يصل العاملون في إمداد الكهرباء والغاز والماء إلى 15 ألفا، منهم 900 غير أردنيين، إضافة إلى 125 ألفا في تجارة الجملة والتجزئة، منهم نحو 23 ألفا من غير الأردنيين.

ويعتقد عضو مجلس إدارة غرفة صناعة عمّان إياد أبوحلتم أن عودة القطاعات إلى العمل من جديد تبشر بتحسن الأمور، رغم وجود تحديات كبيرة مثل تدهور القدرة الشرائية، وهو ما سيقلل الإنفاق. وقال إن “دولا تضع معيقات كثيرة لحماية المنتج المحلي أو مشاكل بالعملة الصعبة لذا نتوقع ضعف الطلب عن المنتجات الصناعية بشكل عام”.

ولفت أبوحلتم إلى أنه في ضوء ذلك ستتأثر سوق العمل، وستتقلص أعداد العاملين وهذا أخطر ما يمكن، مطالبا بتضافر جهود القطاع الصناعي والحكومة في ما يتعلق بحماية العمالة القائمة وعدم تسريحها عبر عدة برامج كدعم.

وتتزايد المطالب من أجل اعتماد مبادرات تشجيعية لتنشيط برامج التدريب من مؤسسة التدريب المهني ووزارة العمل وفق طلب القطاع الصناعي من التدريب المهني لتأهيل العمالة الماهرة.

حمادة أبونجمة: كورونا غير ظروف العمل، ما يتطلب مراجعة واقع السوق
حمادة أبونجمة: كورونا غير ظروف العمل، ما يتطلب مراجعة واقع السوق

ومن بين تلك المبادرات خفض نسب الضمان الاجتماعي من 21.7 إلى 5.25 في المئة واستمرارها إلى نهاية العام الحالي.

وبالإضافة إلى ذلك تجميد تأمين الشيخوخة ودعم قطاع الصناعة عبر تشجيع العاملين الجدد على التدريب في موقع العمل عدة أشهر، يتم تشغيلهم بعدها من خلال برنامج دعم مادي مباشر لصاحب العمل.

وتزيد أرقام البطالة المفزعة من مراكمة المشكلات العالقة أمام عمّان التي عجزت عن ردم الهوة في توازناتها المالية جراء استفحال الأزمة الاقتصادية مما دفعها لفتح باب الاقتراض الأجنبي.

وانتقد صندوق النقد الدولي، الذي وافق على إقراض الأردن نحو 1.3 مليار دولار، التباطؤ في ضبط أوضاع المالية العامة نظرا لتواصل ارتفاع حجم الدين الخارجي وفشل الجهود في توسيع القاعدة الضريبية لترفيع الإيرادات.

ويؤكد خبراء أن الوضع الذي بلغه الأردن في ظل جنوحه مرة أخرى إلى الاقتراض الخارجي دليل واضح على الخلل في إدارة الأموال وعدم وجود رؤية اقتصادية واضحة وغياب الإرادة الحقيقية لتحسين القطاعات الإنتاجية المهمة في البلاد.

وبحسب صندوق النقد، تضرر النمو الاقتصادي الأردني في السنوات القليلة الماضية بفعل ارتفاع معدل البطالة وتأثيرات الصراع الإقليمي على ثقة المستثمرين.

وتلقي الحكومة الأردنية باللوم على عوامل إقليمية في ارتفاع الدين العام، الذي قفز بواقع الثلث تقريبا في عشر سنوات بما يساوي حاليا 97 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتعاني البلاد، التي تستورد أكثر من 90 في المئة من حاجاتها الطاقية من الخارج، ظروفا اقتصادية صعبة للغاية، كما أنها تأثرت كثيرا بالأزمتين المستمرتين في كل من العراق وسوريا ولاسيما أزمة اللاجئين.

11