كابوس روائي يفضح الغرب المتوحش

الأحد 2013/09/22
رواية "حلم حقيقي" كشف للفساد الطبي في المؤسسات

رواية محمود الريماوي "حلم حقيقي"، هي عمل فريد من نوعه في الرواية العربية، لجهة ذهابه إلى بلاد (هي بنغلادش) وشعب (البنغالي بطوائفه ومذاهبه)، لم يسبق لكاتب عربي أن سبر شيئا من أغوارها وأسرارها، وهي تفتح نافذة على عالم شديد الغنى، متشابه مع عالمنا العربي، والعالم الثالث عموما، في جوانب، ومختلف عنها في جوانب أخرى، ويمسك المؤلف بملامح ومعالم من هذا العالم، تكفي لبناء نصّ سردي بسيط، بعدد من الشخصيات الأساسية والثانوية، تتحرك في إطار الحياة على مستوياتها المختلفة، لتبني لنا كيانا روائيا مكتملا بعناصره المحبوكة والمرتبطة ببعضها بخيوط وروابط متينة، وإن اتخذت اللغة الروائية أسلوب العرض الصحفي، المتمكن والمتفرد، للمادة التي تؤسس هذا البناء. وهي نتاج خبرة طويلة ربما تبلغ أربعة عقود من العمل الصحافي للريماوي، وخبرة أطول في كتابة القصة ترتد إلى مطالع الستينات من القرن العشرين، يوظفها جميعا ضمن عمله الروائي الجديد.

فمن خَبَرٍ صغير تسرّب عام 2009، في مدوّنة شاب بنغالي (هو مشتاق)، حول أعمال منافيةٍ للأخلاق والمبادئ الإنسانية والطبية، تقوم بها بعثة طبية أجنبية، وتجمّع طبّي خاص في العاصمة البنغالية دكّا، وما يدور حول هذا الخبر وتلك الأعمال اللاأخلاقية من حوادث وآثار، وما يتصل بها من ممارسات على الصعيد العالمي في هذا المجال، يصوغ الكاتب محمود الريماوي عمله الروائي "حلم حقيقي"، وصدر في طبعتين، الأولى ضمن إصدارات مجلة دبي الثقافية في صورة كتاب مجاني (تموز/ يوليو 2011)، والثانية صدرت مؤخرا في دار التنوير- بيروت، (213 صفحة من القطع الوسط). وقد كتب في إهدائه لي واصفا العمل بأنه "مغامرة". وهو كذلك.


أسئلة الحرية

تنطوي الرواية على تجربة صحافية عاشها الكاتب، ويعبر عنها هنا في صورة توجيهات من داخل المؤسسة التي يعمل فيها.


يتخذ الريماوي عنوان روايته "الكابوسية" هذه، من عنوان بيان دعائيّ لجهة طبّية، من بين بيانات مختلفة، أحدها حمل عنوان "التبادلية برهان ساطع على الحرية"، كاشفا عن إنشاء ما يسمى "رابطة حرة لتقرير المصير الفردي"، التي تبيح للإنسان التصرف بأعضائه، يقول البيان: إن الناس يشترون سنوات تقاعد وسنوات تأمين على حياتهم وممتلكاتهم وأجزاء من أجسادهم، فلماذا لا يشترون أو يبيعون سنوات من أعمارهم؟

الحياة الفردية مقدسة وتتضمن الحق في التصرف بها، فهي تمثل أعلى درجات الخصوصية، فما شأن الآخرين بتبادل حر وطوعي يتم بين اثنين؟ كل شيء بثمنه. المتعة لها ثمن، الصحة لها ثمن، النجاح له ثمن، الحياة نفسُها لها ثمن فهي تؤدي إلى الموت. سنة واحدة من العمر بخمسة آلاف جنيه أو يورو.

وهناك من يدفع أكثر. أربعون سنة كئيبة تنتهي بثلاث أو أربع سنوات بهيجة، أفضل من ستين سنة تكتنفها التعاسة من مبتدئها إلى منتهاها، ذلك ما لا يحتاج إلى برهان" (ص 205).

من هذا البيان، ومن تفاصيل أخرى في حياة البنغاليين السياسية والاجتماعية والثقافية، يبني الريماوي معماره الفني والفكري، ويرسل عبره رسائل وأسئلة جديرة بالتأمل، وهي رسائل تتجاوز الفساد الطبي في المؤسسات، إلى أسئلة الحرية والوجود بالنسبة إلى الإنسان.

الحرية في حياة كريمة بعيدا عن منافسات "سوق الطب" وصراعات الحيتان فيه، كما لو كان الإنسان سلعة قابلة للبيع والشراء والمزادات، أو أن حياته لعبة في أيدي سماسرة الموت، لا سماسرة الحياة.

فمن يعملون في هذه "السوق" هم تجار يستغلون حاجات البشر البؤساء، المرضى والأطباء على السواء، لتحقيق أرباحهم على حساب حيوات هؤلاء، ويجدون من ضِعاف النفوس والمحتاجين من يقدم لهم التسهيلات.

فنحن حيال كابوس حقيقي يعيشه العالم بسبب "التحضر" والتقدم. الرواية تشرّح عالم "العولمة المتوحشة"، وكيف تجري التغطية عليها بأخبار الإرهاب، حيث أن "التطورات المتعلقة بالإرهاب وفيض متابعاتها، غطت على كل كارثة، على كل إرهاب آخر.

وهنا يظهر الدور الكبير الذي تمارسه الصحافة الغربية في ترويج هذه الأنشطة الإجرامية، "ففي تلك الأثناء، وفي صحف أوروبية شعبية ومحلية، ليست محدودة التوزيع، وبعضها يوزع مجانا على البيوت وفي محطات القطـــارات وفي المولات، ظهرت بيانات بأقل من حجم ربع صفحة التابلويد، من دون أن يتضح إن كان المنشور مقالات وآراء أم إعلانات داخلية مدفوعة الثمن"


مسلمة وبوذي

قراءة للعلاقات الإنسانية في المجتمع البنغالي


هذه هي الحرية التي يتبجح بها الغرب، كما تود الرواية أن تقول. ولأن الريماوي قاص وروائي، ولا يقدم وعظا ولا إرشادا، ولا يكتب بيانات سياسية أو محاضرات اجتماعية، فقد ذهب لقراءة المجتمع البنغالي، من جوانب شملت حياته السياسية والاجتماعية، عبر علاقات إنسانية أو "عملية"، ليقدم لنا شخصياته الروائية في بناء روائي محكم، بدءا بشخصية "مينو"، الصحافي الصاعد أو الطامح في الصعود، عبر جهد صحافي متميز في فضح فساد المؤسسة الرسمية، ومنها الطبية، وعلاقته العاطفية الملتبسة مع زميلته الصحافية "شيفالي" التي ترفض الزواج به لاختلاف الدين (هو البوذي، وهي المسلمة)، ثم علاقته بالانتهازي "رحيم" المشارك بتقديم خدمات للبعثة الطبية الفاسدة، وعلاقة هذا الـ"رحيم" بزميلته في الجامعة والحزب، وكيفية زواجه بها ثم الطلاق بعد افتضاح فساده وفصله من عمله، ولقائه مع المدوِّن مشتاق وشقيقته بلقيس التي تقدم الأدلة على الفساد.

علاقات تقدم لنا صورا من المجتمع البنغالي، من شوارعه ومطاعمه وأحزابه، بل الأحرى الحزبان الكبيران المتنافسان على الحكم فيه، "الحزب الوطني" وقائدته خالدة، وحزب "عوامي" أكبر الأحزاب المساهمة في نيل الاستقلال عن الباكستان.

والسجالات بين العلمانيين والإسلاميين حول الدستور، في بلد الـ 150 مليونا، بعاصمتها دكا ذات الـ 8 ملايين نسمة، والنقاشات الجارية في هذه الشؤون، قريبا مما يدور في عالمنا ومنطقتنا، ومناطق أخرى من العالم، من صراعات تتمظهر بمظهر الصراعات الدينية والطائفية والعرقية، إضافة إلى قراءة للجوانب النفسيــة والاجتماعية والثقافية لشخصيات الرواية.


المنولوج والحاجز


ويجدر التوقف أيضا عنـــد العلاقات الاجتماعية بين الفئات والطبقــــات، كما هو حال والد رشيدة الثري الذي رفض زواج ابنته من رحيم على خلفية طبقية، ولو أنه وافق فيما بعد لأسباب تتعلق بالتطور والصعود لشخصية رحيــــم في تحقيق ذاتــه.

لكن العلاقة الأجمل ربما في هذه الرواية، هي التي تربط مينو (البوذي) وشيفالي (المسلمة)، التي تعلن حبها له، وتتمنى الزواج به، لكن حاجز الدين يقف دون ذلك، وبعد إعلانها ذلك له، تدخل في "مونولوج" حول مشاعرها، تخاطب شيفالي ذاتها قائلة، معبرة عن مدى بؤسها لعدم قدرتها على تجاوز الحاجز الديني بوصفه قيدا مفروضا عليها: "لقد تحدثتُ باسم المجتمع، ولم أنطق باسمي، لم أعبّر عن مشاعري، يا لخيبتي، لن أستطيع قبوله، وها هو قلبي لا يطاوعني على رفضه".

وعلى صعيد مرتبط بعمل الريماوي الصحافي، تنطوي الرواية على وجهة نظر في هذا العمل وعوالمه، هي تكثيف لتجربـــــة صحافية عاشها الكاتب، ويعبر عنها هنـــا في صورة توجيهات من داخل المؤسسة التي يعمل فيها "مينو"، سواء من قبل رئيـــس تحرير جريدته له، أو من قِبَلـــه هو حيال المستجدين الذين يقــــوم بتدريبهم.

توجيهات تتعلق بمقتضيات العمل الصحافي الناجح، والعمل المتميز المتقن، وخفايا ومعيقات الصحافة، وعوامل نجاحها، والنصيحة للمتدربين بضرورة طرق جوانب أخرى في موضوعاتهم، وإيراد وجهات النظر المختلفة، ومقارنتها، واستخلاص النتائج أو الحقائق، مع ضرورة التوثيق وسرعة الإنجاز، كون الصحافة اليومية بحاجة إلى وقود دائم من الأخبار والتحقيقات والموضوعات ووإلخ..

14