كاتالونيا.. عجز الديمقراطية عن طمس الهويات القومية

السبت 2017/10/07

يبدو أن الوضع في إسبانيا يتجه إلى أمرين أحلاهما مرّ: إما انفصال كاتالونيا من طرف واحد، وإما إلغاء حكمها الذاتي وإخضاعها بالقوة إلى الحكم المركزي في مدريد.

تاريخيا، عانى الإسبان من ثلاث قوميات. اثنتان منها، القشتالية والباسكية اللتان فشلتا بالفعل، والثالثة الكاتالونية التي لا تزال تقود حربها من أجل الاستقلال، وفي حالة نجاحها ستعيد إحياء طموح القشتاليين والباسكيين.

واليوم تتهم مدريد من تسميهم بمجانين الأيديولوجيا، باختراق الدستور والقانون والعمل على تقسيم البلاد، وتهددهم بالاعتماد على القوة للإطاحة بمشروعهم القومي، وقد أعطتهم يوم الأول من أكتوبر ومضة خاطفة عن قدرتها على التدخل الأمني لقمع نزعتهم التي يرونها استقلالية، ويراها مناوئوهم انفصالية.

إن رغبة الكتالونيين في الاستقلال ليست جديدة، بل تعود إلى قرون مضت وقد ووجهت دائما بالقمع والاضطهاد، وفي أوائل القرن الماضي نجح الزعيم القومي ورئيس الحكومة المحلية آنذاك أريك دي ريبا عام 1914 في استحداث هيكل إداري للتنسيق بين المقاطعات الأربع التي يتشكل منها الإقليم، وهو ما ألغاه الدكتاتور الإسباني بريمو دي ريفيرا عام 1925، وفي عام 1934 تم الإعلان عن إقامة جمهورية كاتالونيا بعد انتخابات محلية حقق خلالها الحزب الجمهوري اليساري الكاتالوني فوزا تاريخيا، ولكن تلك الجمهورية لم تستمر غير ثلاثة أعوام، واندمجت في الجمهورية الإسبانية مع الاحتفاظ بشكل من أشكال الحكم الذاتي وقد تزامن ذلك مع فرار الملك ألفونسو الثامن من البلاد، واستيلاء الجنرال فرانكو عام 1936 على حكم إسبانيا، لتنطلق الحرب الأهلية التي استمرت لأربعة أعوام، وأسفرت عن مقتل 50 ألفا من الكاتالونيين، من بينهم 15 ألفا من الجمهوريين سقطوا في معركة نهر ايبرو لوحدها، ولا ينسى الكاتالونيون خوسيه سانيول رئيس نادي برشلونة الذي اُعتقل في مدريد عام 1936 وتم تنفيذ حكم الإعدام فيه في السادس من أغسطس من نفس العام دون محاكمة، بعد أقل من عام من توليه رئاسة النادي الكاتالوني العريق.

وفي عام 1939 سقطت الجمهورية في إسبانيا، وتشرد نصف مليون إسباني من بينهم 200 ألف كاتالوني، وفي العام الموالي أعدمت قوات فرانكو ميدانيا رئيس حكومة جمهورية كاتالونيا المنتخب لويس كومبانس الذي سلمته مخابرات هتلر لحكومة مدريد بعد إلقاء القبض عليه في فرنسا، ولم يكتف نظام فرانكو بذلك بل منع الكاتالونيين من استعمال لغتهم ورموزهم القومية في مدارسهم وكتبهم وإعلامهم ومختلف أوجه الحياة العامة، بينما تشير الأرقام إلى أن أربعة آلاف كاتالوني تم إعدامهم من قبل النظام الدكتاتوري في ما بين 1938 و1953، لكن برحيل فرانكو في العام 1975 عادت الأحزاب السياسية للنشاط، وفي العام 1977 خرج مليون كاتالوني إلى الشارع للتظاهر من أجل الاستقلال والدعوة إلى العفو العام، فكان أن عاد رئيس حكومتهم في المنفى خوسيه تاراديلاس من باريس إلى برشلونة حيث شكل حكومة مؤقتة وأعلن حكما محليا يشمل كاتالونيا وفالنسيا.

واليوم بينما قررت المحكمة الدستورية الإسبانية العليا فض اجتماع البرلمان الكاتالوني المقررة الاثنين القادم، قبل انعقاده، يضع زعماء حراك الاستقلال في برشلونة النقاط الرئيسية في القانون الأعلى الذي سيحكم دولتهم في المستقبل: ستكون كاتالونيا جمهورية قانون وديمقراطية ورعاية اجتماعية، سوف تتفاوض على الديون مع إسبانيا، ستكون هناك جنسية مزدوجة. يجب على الأجانب أن يثبتوا أنهم يقيمون في كاتالونيا منذ عام 2012، أو أن يكونوا ممن لديهم الجنسية الإسبانية مع الإقامة سنتين في كاتالونيا في 31 ديسمبر 2016، اعتماد ثلاث لغات رسمية بنفس الحقوق والامتيازات وهي اللغات الكاتالونية والإسبانية والآرانية، العفو عن كل من أدينوا بالادعاء من قبل القضاء الإسباني، بمن فيهم الجنرال أرتور ماس الذي شغل منصب رئيس حكومة كاتالونيا من 27 ديسمبر 2010 حتى 10 يناير 2016، وفرانسيسك هومس القيادي في الحزب الديمقراطي الأوروبي الكاتالوني، وجوانا أورتيغا نائبة رئيس حكومة إقليم كاتالونيا حاليا.

إلى ذلك، فإن المعاشات التقاعدية والفوائد الاجتماعية لجميع الكاتالونيين مضمونة، والسيطرة على الحدود ستتم من قبل القوة العامة بالإقليم التي ستسيطر أيضا على إدارة الجمارك والضرائب، بينما سيغير البرلمان الكاتالوني اسمه إلى الجمعية التأسيسية التي ستكون مسؤولة عن العمل على صياغة الدستور للدولة الكاتالونية المرتقبة.

وبمجرد أن يصبح النص جاهزا سينظم استفتاء للمواطنين للتصديق عليه بنعم أم لا، وسيجري إجراء انتخابات جديدة، كما ستقوم الهيئة العامة بتغيير اسمها إلى إدارة الهيئة العامة ورئيسها سيكون رئيس الدولة، وستحول محكمة العدل العليا في كاتالونيا إلى المحكمة العليا الكاتالونية. وسيكون لها مجلسها العام الخاص بالهيئة القضائية الذي سيطلق عليه “القاعة الحاكمة”، وسيتألف من قضاة فقط، وسيقوم البرلمان بتعيين النيابة العامة للدولة الكاتالونية بينما ستكون للنظام القضائي أربع غرف: مدنية، وجنائية، وإدارية واجتماعية.

وستتولى وزارة الشؤون العامة المسؤولية عن استمرارية عمل جميع الخدمات العامة بشكل طبيعي كامل لمنع الجيش الإسباني من التدخل، والتأكيد لجنود الجيوش الثلاثة بأنه لن يكون لهم أي اختصاص داخل الأراضي الكاتالونية.

بتحديد هذه الخطوات استعد الكاتالونيون لتحقيق أمل طالما راود أحلام أجيالهم المتلاحقة، وداعب المخيال الجمعي لأكثر من 7 ملايين نسمة داخل الإقليم، ولما يفوق 11 مليون نسمة ينتمون إلى القومية الكاتالونية، ويمتد حضورهم إلى مناطق جزر الباليار وبلنسية ومرسية والجزء الشرقي من منطقة أراغون في إسبانيا، ومنطقة البيرينيه الشرقي بالغرب الفرنسي، وإمارة أندورا حبيسة الجبال بين البلدين، إضافة إلى مدينة ألغيرو الإيطالية.

مشكلة مدريد اليوم، أنها قد تلتجئ لاستعمال أقسى أدواتها لقمع النزعة الاستقلالية، وستجد دعما غير محدود من دول الغرب الأوروبي التي تدافع بقوة عن انفصال القوميات في مناطق أخرى من العالم، ثم تنكمش فجأة على شعاراتها وتشعر بخطر العدوى، فانفصال كاتالونيا قد يفتح الباب لإحياء أو رفد دعوات أخرى للانفصال في تلك الدول، والغطاء الديمقراطي كغطاء العولمة لم يعد كافيا لطمس الهويات الثقافية لشعوب ترى أنها جديرة بتقرير مصيرها.

لم تأت دعوات الاستقلال الكاتالوني من فراغ، بل هي ناتجة عن تاريخ من التضحيات ومسلسل طويل من الصراع ومن أحلام الحالمين ببناء دولة مستقلة، ولذلك فإنها، حتى وإن حوصرت لحين، ستبقى شعلة في قلوب وعقول أصحابها، لتمثل إعلانا صاخبا عن بدايات انهيار أوهام الديمقراطية الغربية التي طالما اعتقد المؤمنون بها أنها قادرة على طمس التناقضات الإثنية والقومية في بوتقة المواطنة وهو ما ثبت فشله، حيث سيبقى الواعز القومي محركا أصيلا للتاريخ حتى ولو من خلف جدران الصمت المفروض عليه أو تحت صخب الأغلال التي تقيد المؤمنين به.

وفي كل الحالات سيجد الإسبان أنفسهم أمام أمرين أحلاهما مرّ: إما انفصال كاتالونيا من طرف واحد، وإما إلغاء حكمها الذاتي وإخضاعها بالقوة إلى الحكم المركزي في مدريد، وفي الحالتين لا يوجد حل وإنما تصعيد لما ستكشف عنه الأيام لاحقا من عجز حقيقي للديمقراطية عن طمس الهويات القومية وإخماد شوق الحياة في نفوس الجماهير المدافعة عن حقها في تقرير مصيرها ضمن المشروع الثقافي والحضاري الذي يمثلها وتنسجم معه روحا وفكرا ووجدانا.

كاتب تونسي

9