كاتبات سودانيات ينازلن التمييز الذكوري بالكلمات

يمكن توصيف كتابات الرائدات من الكاتبات السودانية، لا سيما في مجال السرد، بأنها كانت أميل إلى الموضوعات الاجتماعية المباشرة.
الأحد 2019/01/13
طرق فنية متباينة ما بين التقليدية والحداثية بين طيف الكاتبات السودانيات الجديدات

الراصد لحراك الكتابة النسوية في السودان، سيلاحظ بلا شك، تلك النقلة الموضوعية والمفاهيمية الكبيرة التي طرأت على هذه الكتابة، متمرحلة منذ بداياتها التكوينية في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، وإلى هذه اللحظة “الأدبية” شديدة الخصوصية، جراء علو صوتها السردي في مقابل الأشكال الأدبية الأخرى؛ وهو الحقل الذي سأركز عليه في هذه المقالة التحسسية، في محاولة لاكتشاف أهم سمات التغيرات التي حدثت لهذه الكتابة.

قبل الخوض في الحديث عن الكتابة النسوية السودانية، لا بد من عودة سريعة تُقدم لمحة موجزة عن شكل هذه الكتابة لدى الرائدات من الكاتبات والأديبات السودانيات. فالكتابة النسوية في السودان -حديثا- لم تتأخر كثيرا عن رصيفتها المدونة بواسطة كتاب ذكور – رجال؛ إذ سيلاحظ الراصد بيسر أن أول نص روائي طويل كتب في السودان يكاد يكون نسائيا خالصا، هذا إذا اعتمدنا رواية “الفراغ العريض” لملكة الدار محمد أحمد باعتبارها أول نص روائي سوداني – وهو أمر مختلف عليه بين النقاد-، فرواية “الفراغ العريض” وإن جاء نشرها متأخّرا (1970) إلا أنها كتبت في وقت باكر من عمر المدونة الروائية في السودان (أربعينات القرن الماضي) وتزامن مع لحظة نشر هذه الرواية المهمة حراك كتابي نسوي كبير مثلته كاتبات الستينات والسبعينات من الرائدات في السودان، سواء في الشعر أو المقال أو السرد، وربما يجدر أن أذكر منهن: الأستاذة آمال عباس، الصحافية والقاصة، والأستاذة زينب بليل، الروائية والقاصة، والأستاذة فاطمة السنوسي رائدة القصة القصيرة جدا في السودان والمنطقة العربية، والأستاذة بثينة خضر مكي، الروائية والقاصة، والأستاذة نجاة عثمان، المسرحية والشاعرة، وكثيرات أخريات مثلت تجربتهن في الكتابة لحظة تنويرية مهمة في بلد مثل السودان، لجرأتهن على اختراق مجال شبه منغلق حينها على فئة الرجال دون غيرهم، ولقدرتهن على إثارة مواضيع يمكن وصفها بالحساسة في ذلك الوقت، ولا يزال بعضها بمثل تلك الحساسية حتى هذه اللحظة.

وبصورة عامة يمكن توصيف كتابات الرائدات من الكاتبات السودانية، لا سيما في مجال السرد، بأنها كانت أميل إلى الموضوعات الاجتماعية المباشرة، ودون شك تلك التي تخص المرأة والطفل والأسرة، وقولبتها في حيّز قصصي بانورامي أقرب إلى الكتابة الرومانسية الفوقية دون الغوص أكثر لاستعراض موقف المرأة من قضاياها المصيرية -النسوية – وقضايا مجتمعها المرتبطة بشكل مباشر بتهميشها وتحجيمها.

أول نص روائي سوداني
أول نص روائي سوداني

في الكتابة النسوية السردية الحديثة، حدثت قفزة موضوعية ومفاهيمية هائلة، حيث اتجهت الكتابة بشكل مباشر إلى تناول قضايا المرأة من زاوية “نسوية” تخصصية بحتة، وذلك بالتركيز على قضايا الجندر والدين وموقع المرأة من الدولة وقوانينها وتشريعاتها المدنية. ومثلت أصوات نسوية متعددة هذا الاتجاه وبرزن فيه بشكل واضح مع اختلاف طرائقهن في الكتابة والزوايا التي اتخذنها منصة لتوجيه هذه الكتابة. استحضر من هذا الأسماء الروائية رانية مأمون “أبناء الشمس”، والروائية كلثوم فضل الله “الصدى الآخر للأماكن”، والروائية أسماء الشيخ “بستان الخوف”، والقاصة صفاء نقد، والقاصة صباح سنهوري، وأخريات.

سأركز في هذه الكتابة على ثلاثة نماذج، أرى أن كتابتهن تعطي مؤشرا واضحا على اتجاه الكتابة النسوية الحديثة في السودان.

الكاتبة الأولى التي سأتناولها هي الروائية والشاعرة والمترجمة، الدكتورة إشراقة مصطفى، وهي كاتبة سودانية مهاجرة مقيمة في النمسا، صدر لها عدد من الكتب في الشعر والترجمة والرواية والسيرة الذاتية، وسأركز هنا على كتابها في السيرة “أنثى الأنهار”، إذ في رأيي أنه يمثل نموذجا مثاليا لتطور الكتابة النسوية السودانية، وتفرع وتشعب وتعقد هذه الكتابة رغم انحيازها إلى خصوصية ظاهرة تختص بالمرأة وموقعها وموقفها من العالم ومن مجتمعها وتاريخها ودينها.

في هذه الكتابة الكاشفة تسرد إشراقة مصطفى سيرة نضال امرأة واجهت التمييز في مجتمعين يبدوان شكليا متناقضين، هما المجتمع السوداني بنظرته الدونية للمرأة، والمجتمع النمساوي – الأوروبي بنظرته العنصرية للأفريقي – الأسود. كتابة ناقدة وحارقة، دوّنت بلغة شعرية بهيّة، تناولت بذكاء سردي أعمق الإشكالات التي تواجه المرأة سواء في المجتمعات التقليدية أو داخل المجتمعات التي توصف بأنها حديثة أو حداثية، وأظهرت وعيا كبيرا لدى الكاتبة بقضايا المرأة وكيفية مواجهة التحديات التي تعترضها والمضي في طريق التنوير المنشود.

الكاتبة الثانية التي استوقفتني تجربتها، هي الروائية سارة حمزة الجاك، الحائزة على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي عن روايتها “خيانتئذ”، وهي الرواية التي ناقشت من خلالها مجمل إشكالات وقضايا المرأة السودانية من زاوية جندرية بحتة، حيث لم تترك قضية إلا وتناولتها بعين السرد الناقدة والفاحصة، ورغما عن تماس هذه الرواية مع موضوعات روائية أو سردية تم تناولها سابقا لدى الساردات الرائدات، إلا أن سارة الجاك اختلفت عنهن في إضفاء حالة من الوعي الكاشف بهذه القضايا النسوية – الاجتماعية والنفسية والوجودية، فالرواية تكافح عبر راويتها سماح حالة القمع الذكوري التي تطارد المرأة السودانية كاللعنة منذ طفولتها وإلى مماتها، سواء في بيت أسرتها أو في الجامعة، أو في بيت زوجها المفترض، وإن كان يمثل سطحيا وعيا ذكوريا متقدما.

الكاتبة الثالثة، التي مثلت كتابتها تقدما نوعيا على كتابة مثيلاتها من الرائدات، هي القاصة صباح سنهوري، صدرت لها المجموعة القصصية “مرايا”، وقدمت صباح من خلال نصوص هذه المجموعة شكلا مختلفا من الكتابة (نسوية وذكورية) من حيث الموضوعات والتقنيات، والجرأة على تناول القضايا والأزمات الوجودية الحساسة، ويمكن القول إن نصوص هذه المجموعة تعكس صورة متحدية لصوت المرأة السودانية الحديثة في تماسها مع قضايا الجنس والدين والسياسة، بحيث تبدو “صورة المرأة” هنا متجاوزة تماما لصورة المرأة التقليدية في أعمال الرائدات، فقضايا الحب والزواج والطلاق والعمل، لا تمثل شيئا يذكر هنا في مقابل مناقشة قضايا الجنس، وتحرر المرأة، والمثلية.

بلا شك، هذا عرض موجز وسريع، حاولت من خلاله تسليط الضوء، على النقلة التي حدثت “موضوعيا ومفاهيميا” للكتابة السردية النسوية في السودان، دون التركيز كثيرا على الطرائق الفنية لهذه النقلة، وهي متباينة ما بين التقليدية والحداثية بين طيف الكاتبات السودانيات الجديدات، كما أن عرض النماذج الثلاثة السابقة لا ينفي وجود أسماء أخرى مهمّة كان لكتابتها الأثر الكبير في إحداث هذه النقلة وجرّ الكتابة النسوية بصورة عامة إلى زاوية النسوي والخاص والجندري.

ينشر الملف بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

11