كاتبات عالميات: في الأدب يمكننا أن نوفر أحذية للجميع

الجمعة 2013/09/06
لاورا كاسيشكي: قلم نسائي اقتحم دواخل الناس ومعاناة المجتمعات

ضمن ملفها السنوي الذي يصدر كل صيف، اختارت "المجلة الأدبيّة" الفرنسية أربع كاتبات اعتبرتهن من أهمّ الأصوات في الأدب العالمي راهنا. وهنّ على التّوالي: الكاتبة الكنديّة أليس مونرو التي لمعت في كتابة القصة القصيرة، ورشحت لجائزة نوبل للآداب أكثر من مرّة، والكاتبة البرتغالية ليديا جورج، والأميركية لاورا كاسيشكي، والبريطانية الخلاسية زايدي سميث.

في أحد الحوارات التي أجريت معها، قالت أليس مونرو المولودة عام 1931 في قرية صغيرة على ضفاف بحيرة "هيرون" في كندا:"إنّ تعقّد الأشياء- أعني الأشياء داخل الأشياء- يبدو لامتناهيا (…) ما أرغب في تبليغه أنه ليس هناك أيّ شيء سهل، ولا أيّ شيء بسيط".


أضرار الزمن

أليس تهتم بحياة الناس وتعقيداتها


مثل تشيكوف ورايمون كارفير، تهتم أليس مونرو بحياة الناس في تعقيداتها الداخلية، وفي تناقضاتها، وبالصّراعات اللاّمرئية التي تنهشها، وتمزّقها، فلا يدرك ضحاياها ذلك إلاّ بعد فوات الأوان. ومثلما تقول الفرنسيّة جونيفييف بريزاك، نحن نعثر في قصص أليس منرو التي لا يتجاوز حجمها أربعين صفحة، على الغابات، والقرى الصغيرة، والحقول الطينية، وعلى أشجار الجاكارندة التي يصنع منها الخشب النفيس.

كما نعثر على قطارات تحدث فيها لقاءات بالصدفة، وعلى سيارات تجتاز المسافات المديدة في الشتاء البارد، وعلى مكتبات يؤمّها أشخاص خجولون، ومرتبكون، يبحثون في الكتب عما يمكن أن يعيد لهم التّوازن المفقود.

وجلّ المواضيع التي تتطرّق إليها أليس مونرو في قصصها تدور حول قصص الحب الخائبة، وحول ذكريات لا تنجلي من الذّاكرة، وحول حيوات تتحطّم، وتتدمّر أمام عيون أصحابها، وحول أطفال عادة ما يكونون ضحيّة الخداع، وحول شيوخ وعجائز أهملتهم عائلاتهم ليعيشوا مرارة الوحدة وقسوتها. وتحددّ جونيفييف بريزاك مفهوم أليس مونرو للكتابة قائلة: "هي تعرف الكثير عن الأشياء المتعلّقة بالخلق الأدبيّ.

وهي تجعل قرّاءها يشعرون بذلك في كلمات مختصرة دون أن تفقد ابتسامتها السّاخرة، ونظرتها الخفيفة والقاسية. وهي لا تجعل الخلق الأدبيّ في الصّدارة لاقتناعها بأن الكاتب لابدّ أن يظلّ وفيّا للتّاريخ. لذلك هي تنزوي في الرّكن لتتأمّل المشهد بحياد. وهي تسجّل أضرار الزّمن، ومساوئ الجبن. وعلينا نحن أن نستخلص العبرة من ذلك".

وتعكس بعض القصص فصولا من حياة الكاتبة التي فقدت والدتها وهي في العاشرة من عمرها لتجد نفسها تحت رحمة والد قاس وعنيف لم يكن يتردّد في ضربها في ساعات غضبه، وسكره.

وبسبب صعوبة الحياة مع زوجة والدها، فرّت أليس منرو من البيت العائلي لتعيش مغامرات دفعتها إلى الكتابة، وبعد زواج فاشل، تركت أطفالها، وعادت إلى مسقط رأسها غير أن والدها صارحها بأنه راغب عن استقبالها. وتلك الصّدمة القاسية ستوحي لها بقصص جديدة تفتح لها الطريق واسعا أمام المجد والشهرة.


أرض العالم

لليديا جورج مكانة بارزة محليا وعالميا


تحتلّ ليديا جورج، المولودة عام 1946 بجنوب البرتغال، مكانة بارزة محلّيا وعالميّا. وهي من عائلة مزارعين. وفي مكتبة جدّها قرأت في سنوات طفولتها، ومراهقتها، العديد من الكتب التي ستلعب في ما بعد دورا أساسيّا في تكوينها الأدبي.

وفي البداية تأثرت بالشاعر الكبير فرناندو بيسوا غير أنها تخلّت عن كتابة الشعر لتنشغل بالقضايا الاجتماعيّة وبالحرية والعنف وبالتاريخ، وبما تسمّيه "أرض العالم". وعن ذلك تقول:"مدرسة قريتي حيث ولدت كانت عبارة عن بيت بباب واحد، ونافذتين، ولا شيء آخر. واليوم الأوّل الذي أخذتني فيه عائلتي إلى هناك، كنت سعيدة لأننّي التقيت أطفالا لهم نفس سنّي. وكانوا ظرفاء، صاخبين، بعيون واسعة، ووجوه هزيلة.

وكانت تلك أيضا المرّة الأولى التي أمسك فيها بريشة، ومعها حبر. ثم لطخت الريشة الورقة التي كانت أمامي، وسقطت على الأرض. وكان عليّ أن أزحف تحت الطّاولات لكي أعثر عليها. وفي الليل بحثت في بيتنا عن أحذية تناسب أقدام زملائي.

غير أني لم أعثر إلاّ على حذاء واحد يمكن أن يكون صالحا لأحد الأطفال. وعندما اكتشفت والدتي ما كنت أفعل، صاحت فيّ: "لماذا تفعلين هذا؟ عليك أن تتخلّصي من أوهامك، فليس باستطاعتك أن تجدي أحذية لكلّ الأطفال!". وكان الأمر كذلك. لعدّة سنوات لم أرو هذا الحدث لأيّ كان.

وفي ما بعد اكتشفت أن الإنسانيّة منقسمة إلى قسمين تماما مثلما كان الحال في المدرسة. وأعتقد أنّه ليس بإمكاننا أن نوفّر أحذية للجميع إلاّ في الأدب. وربّما لهذا السّبب أنا أكتب منذ أن سقطت الرّيشة من يدي على أرض العالم".

وقد أحرزت ليديا جورج على شهرة واسعة بعد أن أصدرت روايتها ألأولى التي حملت عنوان "يوم العجائب"، وفيها تصف التحوّلات السّريعة، والكبيرة التي عرفتها البرتغال بعد ثورة "القرنفل" التي أطاحت بالنظام الديكتاتوري عام 1974.

وهي تقول: "كتبت روايتي المذكورة بين عامي 1977 و1978. وكنت أشعر كما لو أنني أشاهد فيلما بالألوان يعلن عن قدوم عالم جديد، وحديث، مبرزا أن العربات القديمة التي تجرّها الحيوانات كما هو الحال في لوحات شاغال اختفت، وأن الطرقات السريعة، والواسعة سوف ترسم صورة المستقبل". جمعت ليديا جورج مادّة روايتها من تحقيقات ميدانيّة، ومن أحاديث مطوّلة أجرتها مع نساء قريتها في جنوب البرتغال.

وفي رواياتها الأخرى، تنقلنا ليديا جورج من جنوب البرتغال إلى العاصمة لشبونة لترسم لنا صورا مدهشة عن الصراعات السياسية، والاجتماعيّة التي يعيشها المجتمع البرتغالي راهنا.


دراما يومية


تحظى لاورا كاسيشكي، المولودة عام 1961 في قرية صغيرة بميشنغان، بإعجاب أعداد غفيرة من القرّاء في الولايات المتحدة الأميركية، وفي العديد من البلدان خصوصا بريطانيا وفرنسا وألمانيا. وفي رواياتها تركّز على الدراما اليومية في حياة الأفراد والمجموعات، مستعينة بلغة شفّافة، وبحساسية شاعريّة مدهشة.

وفي روايتها "لي أنا إلى الأبد"، تروي قصص جنود شبّان يموتون في الحرب في العراق، وفي أفغانستان. وعن روايتها هذه، تقول: "في المدينة الصّغيرة في ميشينغان حيث أقيم هناك شابّان قتلا في الحرب. واحد في العراق، والآخر في أفغانستان. وفي الكنيسة التي أتردّد عليها، هناك سبع عائلات لها على الأقل إبن يحارب في البلدين المذكورين. وشخصيّة غارّيت في روايتي "لي أنا إلى الأبد" من المارينز.

لا تخفي لاورا كاسيشكي تأثّرها في بداية مسيرتها الإبداعية بالمخرج السينمائي دافيد لينش الذي تعلمت منه كيف يتحتم عليها الذهاب إلى ما خلف ظواهر الأشياء، كما أنها تهتّم بأناس يخفون أفكارهم، وعواطفهم خشية الاصطدام بالآخرين. وهي تستعين بالأحلام وبالأساطير وبالشعر لتعرية الواقع، وكشف خفاياه. وتقول الفرنسيّة فيرونيك أوفالديه إنّ لاورا كاسيشكي تحبّ الأشباح في رواياتها، والأحياء الذين ليسوا أحياء كما ينبغي، والأموات الذين نعتقد أنهم لايزالون على قيد الحياة".


ميثاق مع الشيطان

وسطها الذي عاشت فيه أثر في مسيرتها


أمّا زايدي سميث فهي الأصغر سنّا مقارنة بالكاتبات المذكورات. فقد ولدت عام 1975 من أب بريطاني، ومن أمّ من أصول جمائيكية. وكانت في سنّ الخامسة والعشرين لمّا أصدرت روايتها الأولى التي حققّت لها شهرة عالميّة واسعة. وفي هذه الرواية التي حملت عنوان "أسنان الذّئب" تروي قصص مهاجرين من المستعمرات البريطانيّة القديمة يقيمون في ضواحي لندن حيث تتجانس أجناسا مختلفة.

المدعو صمد إقبال أحد أبطال رواية "أسنان الذّئب" مهاجر من بنغلاديش يعاين التحوّلات التي تشهدها حياة ولديه، واحد منهما يعود إلى الوطن الأصليّ ليتشبّع بالتقاليد، والعادات الإسلاميّة هناك. غير أنه يصبح بريطانيّا أكثر من البريطانيّين.

أمّا الثاني الذي فضل البقاء في لندن فقد غرق في عالم المخدّرات قبل أن ينضمّ إلى المجموعات الإسلاميّة المتطرّفة. ومعبّرا عن الصّدمات النفسيّة، والاجتماعيّة العنيفة الناتجة عن مثل هذه التحوّلات في سلوك الأبناء، يقول صمد، المهاجر البنغلاداشي: "كلّما تقدّمت إلاّ وازددتّ شعورا بأننا عقدنا ميثاقا مع الشيطان عندما أقمنا في هذه البلاد.

نحن نمدّ جوازنا لشرطة المطار، ونحصل على ختم الدخول، ونحاول أن نربح القليل من المال، وأن نبدأ حياتنا (…) غير أن فكرة العودة إلى بلادنا سرعان ما تترسّخ في أذهاننا. البرد، والرطوبة والطعام السيئ جدّا والجرائد الفظيعة، وكلّ هذا يجعلنا ننفر من البقاء هنا، فمن يرغب في البقاء. أسألك؟ من يرغب في البقاء في بلاد تقضي فيها وقتك وأنت تحسّ أنك كائن زائد عن اللّزوم، وأن حضورك غير مرغوب فيه، وأنك حيوان لابدّ من العمل على أن يصبح أليفا.

من المؤكد أن الوسط الذي عاشت فيه، أثّر كثيرا في مسيرة زايدي سميث الإبداعيّة. لذلك تختلط الأصوات، والثقافات في رواياتها، وتتعدّد وتتمازج. وهي لا ترغب في العيش في الهامش، بل في قلب أحياء يتعايش فيها مهاجرون من قوميّات ومن جنسيّات مختلفة. وفي رواياتها تحضر نساء شقراوات، وزنجيّات وسمراوات وخلاسيّات ومثقّفات وخادمات وطالبات في جامعات راقية.

ومعبرة عن البهجة التي توفّرها الكتابة لصاحبها، تقول زايدي سميث: "أحيانا أفكّر بأنه تكفي الأربع ساعات التي نخصصّها لكتابة الجملة الأخيرة لكي نكتب رواية. وفي المرّة السّابقة التي عشت فيها مثل هذه الحالة، فتحت فيها زجاجة نبيذ من النّوع الرّفيع كنت قد احتفظت بها لمثل تلك الفرصة، وشربتها كاملة دون أن أضعها على الطاولة. بعدها تمدّدت على البلاط خلف بيتي، وظللت أبكي لوقت طويل".

15