كاتبات عربيات تحت سلطة الأب والزوج والذكورية

الأعمال الروائية النسوية العربية لا تستحضر المكان بوصفه شيئا ماديا، وإنما بوصفه مرايا تعكس أوضاع الذات والآخر.
السبت 2019/01/19
المرأة ومركزية الذات الذكورية (لوحة للفنانة هدى لطفي)

لا خلاف على أن قضايا المرأة صارت محكا أساسيا في كافة الكتابات، لا فرق بين كتابة الرجل وكتابة المرأة، فهذه القضايا حاضرة باطراد، وإن كانت المرأة أكثر تعبيرا عن هواجسها من الرجل. حيث استطاعت أن تثير الكثير من القضايا بجرأة وتحد لواقعها، بل جعلت من قضيتها قضية بارزة ومحورية، على مستوى الكتابة، وكذلك على مستوى السجال الثقافي العام، هادفة بهذا الصخب إلى إعادة هيكلة البناء الاجتماعي، واقتراح منطق الذوات المتكافئة بدلا من الذوات المركزية.

انشغلت المرأة على مستوى الكتابة، بقضايا الذات، وتحررها من كافة الأخبية. ونظرا إلى هذا التدفق في النتاجات الروائيّة التي أنتجتها المرأة العربية، وهي تسعى لاستقلالها أو تأكيد هذا الاستقلال عن بطريركيّة الرجل، وأصولية المجتمع، واكب النقد هذا التدفق الإبداعي بكتابات نقدية، سعت هي الأخرى إلى تحليل هذه الظاهرة الثقافيّة، والوقوف على أهم الملامح الجماليّة علاوة على إبراز كافة الاشتغالات التي عبّرت عنها المتون الروائية. وضمن هذه المحاولات يأتي كتاب “الرواية النسوية العربيّة: مساءلة الأنساق وتقويض المركزية” للدكتور عصام واصل.

تقويض المركزية

كما يظهر من عنوان الكتاب، فقد سعى ضمن جملة أهدافه إلى استكشاف المتون الروائية التي أنتجتها المرأة، ساعيّة إلى مقاومة الفعل الذكوري، وتفكيك الأنساق المهيمنة، بتقويض هذه المركزية التي احتلتها الذكورة على مدار عقود مختلفة، وخلقت مركزا مهيمنا يحتله الرجل مقابل هامش مقصي ومغيّب تقع فيه دائرة كتابة المرأة. فكرّست المرأة كتاباتها لأن تفكّك هذه المركزية، عبر رقشها لهذه الذكورية تارة، وتحديها وإثبات أنثويتها كند مساو للرجل في كلّ ما يكتب تارة أخرى.

 استكشاف للمتون الروائية النسائية
 استكشاف للمتون الروائية النسائية

الملاحظة الأوليّة لعنوان الكتاب ذي الطموح الكبير، أن العنوان مُضلِّل إلى حدّ ما، فالمؤلف لم يتناول في دراسته سوى أربع كاتبات، هن: آمال مختار (تونسيّة)، وزينب حفني (سعودية)، وفضيلة الفاروق (جزائرية)، وأخيرا هيفاء بيطار(سورية)، دون أن يقدّم دوافع هذه الاختيارات، والتي انحاز على أساسها لهذه الفضاءات على حساب أخرى، رغم ما فيها من حضور قوي ولافت لكتابات المرأة كما وكيفا.

كما أن التمثيل الروائي الذي اعتمده لكل كاتبة، لا يعدّ مقياسا حقيقيا للرواية النسائية العربية بصفة عامة كما طرح العنوان، وأيضا غير كاشف لعمق تجارب الكاتبات أنفسهن. فكان الأولى أن يضيف إلى عنوانه عبارة “نماذج مختارة” حتى يتطابق العنوان مع مادة الكتاب.

وتدخل ضمن المآخذ على الكتاب، الاستطرادات التي تميل إليها المداخل الرئيسية للفصول، حيث يسهب المؤلف في التفاصيل وتتبع جذور المصطلحات حتى يصل إلى علاقتها بموضوعه، وهذه فرعيات تفقد القارئ التركيز. ومن هذا الإسهاب في حديثه عن البدايات يأخذنا إلى حديث عن الفرق بين الاستهلال والبداية وحضورهما التاريخي. وهو ما يتكرّر في مدخل الفصل الثالث، وهو يتحدث عن علاقة الذات بالآخر وقضايا النسوية.

واهتم تمهيد الكتاب بسؤال المصطلح وقضاياه الفكرية والفنية والأيديولوجية، موضوحا الفروق بين مصطلح نسوي والمصطلحات المجاورة كالنسائية والأنثوية، دلاليا وأيديولوجيا وبيولوجيا، لافتا إلى أن هذه الفروق تطمس سواء على صعيد التنظير أم التطبيق. وإن كان التمهيد في مجمله بمثابة إعادة أو تلخيص موجز لما قيل في هذا الموضوع من قبل. لكن الشيء الذي يمكن أن يبرر للمؤلف إعادته المقولات السابقة، هو سعيه إلى فك الخلط بين المصطلحات على نحو نسائي ونسوي، وكذلك الاشتغال على مصطلح واحد  كالنسائي على نحو ما جاء في مقاربات رشيدة بنمسعود، وبشوشة بن جمعة.

ظلال الإرث الجنوسي

النسوية ليست كالنسائية والأنثوية فهي تؤسس لذوات متكافئة بديلة عن الذوات المركزية (لوحة للفنانة سارة شامة)
النسوية ليست كالنسائية والأنثوية فهي تؤسس لذوات متكافئة بديلة عن الذوات المركزية (لوحة للفنانة سارة شامة)

يشير المؤلف إلى أن هذه الحركة نتيجة طبيعية لجملة الممارسات الإقصائيّة والتراكمات الأيديولوجية التي أسهمت فيها ورسّختها قوى دينية وسياسية وفكرية شتى، على صعيد الفكر والمواطنة والكتابة والإبداع. ويتوقف أيضا عند هذه المصطلحات وإشكاليات التلقي، بما أثارته من إشكالات ومشاحنات عند ظهورها أوّل مرة لدى معظم الكتاب والكاتبات، بما فرضته، وما زالت، من حكم مسبق بهامشية كتابة المرأة، مقابل مركزية مفترضة، هي مركزية الكتابة الذكورية، الناتجة عن هيمنة الإرث الجنوسي، الذي لا يزال يلقي بظلاله على الفكر وعلى الذات.

قصرالمؤلف الفصل الأوّل على دراسة عتبة العنونة وقضايا النسوية، واضعا فرضية مفادها أن لكل عنونة إبداعيّة همينتها على المتن وعلى المتلقي معا، إذ تتشابك أنساقها وسياقاتها في المتن. وتعمل على التكامل معه والتراتب. والملاحظة المهمّة في هذا السياق التي يستنتجها المؤلف، تتمثّل في أن ثمة تباينا بين وعي الكاتبات بتوظيف العنونة الداخلية والخارجية. ففي حين تستثمرها جيدا الروائيتان فضيلة الفاروق وهيفاء بيطار، لا يوجد مثل هذا الوعي عند الكاتبتين آمال مختار وزينب حفني باستثناء عنوان عمل واحد للأخيرة هو “لم أعد أبكي”.

ومع هذه الملاحظة، فالسمة البارزة للعنونة الخارجية، أنها تشتغل في إطارين؛ الأول نسوي والثاني شعري، فتشتبك العناوين الأولى مع قضايا المرأة على نحو عنوان “يوميات مطلقة” الذي يشير إلى التمرد وخلخلة الأنساق الأبوية، و”تاء الخجل” الذي يشير إلى تعرية الأنساق الذكورية، وهو ما يُعد تحولا في خطاب المرأة لذاتها وللرجل.

كما اهتم عصام واصل في الفصل الثاني من كتابه بمناقشة القضايا النسوية في الجملة البدئية والختامية، فالبنى الافتتاحية، والختامية، للنصوص كما يقول “تعدُّ أكثر العتبات التصاقا بالنصوص والمتون مكانيا، من غيرها من العتبات. ومن أهميتها أنها تحدّد مقروئية النصوص، وتوجّه مسار القراءة، كما يمتلك من خلالها القارئ مفاتيح أوليّة للولوج أو الخروج منها”. وعن علاقة الجملة البدئية والختامية بقضايا المرأة، يوقف المبحث الأول عند كيفية تمحور القضايا النسوية في هذه الجملة، وكيف تبرز واقع المرأة في مجتمعها الروائي المتخيّل، وتحديد علاقتها بالرجل، ودوره في تحديد أنماط سلوك المرأة وتوجيه مآلات هذه القضايا.

واشتغل المؤلف كذلك على علاقة الذّات (المرأة) بالآخر (الرجل)، حيث اعتنى بداية بتحليل وتأويل علاقة الذّات بالأب، الذي يُعد مصدرا للسلطة الأبوية الضاغطة على الذات النسوية، ومحورا اجتماعيا، يؤثر على تحديد هويتها وسلوكها ومشاريعها المستقبلية العامة والخاصة. ثم ركّز على قضية الذات بالزوج كونه امتدادا للسلطة الأبوية، فكلاهما كان مصدرا من مصادر التهشم النفسي والفكري والاجتماعي لدى الذات.

كما تناول واصل في الفصل الرابع “الفضاء السردي” من وجهة نظر نسوية، بوصفه مصدرا لاشتغال القضايا النسوية. فالفضاء يأتي باعتباره يُمثل مركز السّلطة الذكوريّة، وله طابع الهيمنة الأبويّة، كما تتجلّى فيه مظاهر التسلط الاجتماعي كلها، والثقافي والسياسي المتحيّزة ضد المرأة. فالأعمال النسوية لا تستحضر المكان بوصفه شيئا ماديا، وإنما بوصفه مرايا تعكس أوضاع الذّات والآخر.

15