كاتبان فلسطيني وإسرائيلي يتبادلان أحلام السلام المستحيل

الاثنين 2014/10/20
احلال السلام هدف منشود يصعب تحقيقه

في ملحقها الأدبي الصّادر يوم الجمعة 10 أكتوبر 2014، نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسيّة رسائل تبادلها الكاتب الفلسطيني سيّد قشوع والكاتب الإسرائيلي أتغار خيريت إثر الحرب ألأخيرة على غزة. وفي تعليقها قالت “لوموند” إن هذه الرسائل كانت بطلب منها، وهي “مبتهجة وسعيدة بنشرها”.

في هذه الرسائل يعثر القراء على “الأسلوب الخاص بكلّ واحد من الكاتبين، والذي يختلط فيه الحزن العميق بالدعابة السوداء”. كما يتبيّن فيها القراء “الإرادة في مواجهة الواقع بجميع تناقضاته”.


آلام فلسطين


أشارت صحيفة “لوموند” إلى أنها اقترحت على الكاتبين تبادل رسائل بينهما بعد أن نشر الكاتب الفلسطيني سيّد قشوع في الرابع من شهر يوليو 2014 رسالة في جريدة “هاريتز” باللغة العبريّة التي يكتب بها، وفيها يعلن عن قراره بمغادرة إسرائيل صحبة زوجته وأطفاله للإقامة والتدريس في الولايات المتحدة الأميركيّة، موضّحا أن قراره ناتج عن عدم قدرته على تحمّل أجواء العنف، والكراهية السائدة بين اليهود والفلسطينيين.

وكان الكاتب سيّد قشوع المولود في الجليل عام 1975 قد بدأ الكتابة مبكرا بالعبريّة. وفي أغلب ما كتب من نصوص وروايات يركّز على أوجاع فلسطينيي الداخل، وعلى تنامي الأصوليّة في أوساطهم. كما يهتمّ بقسوة الدولة العبريّة في التعامل معهم، وفي عدم اعترافها بهم كمواطنين مكتملي الحقوق.

ويكتب سيّد قشوع في صحيفة”هاريتز”. كما يقدّم برنامجا تلفزيونيّا مشهورا يعتني فيه بالقضايا والمشاكل المتعلّقة بفلسطينيي الداخل. وهو يعيش في القدس الغربية حيث تدور أحداث أغلب رواياته مثل “العرب يرقصون أيضا”، و”كان هناك صباح”، و”الشخص الثاني”. ومؤخرا قرّر سيّد قشوع الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركيّة. وهو يقيم راهنا في “أوربانا” بمقاطعة “إيلينوا”، ويدرّس في جامعتها.

قشوع ايهتم بأوجاع فلسطينيي الداخل


كتابة عبثية


أما أتغار خيريت فمولود في ضواحي تل أبيب عام 1967. وهو من أصول بولونيّة. وقد شرع في الكتابة بعد أن انتحر صديق له أثناء أدائه الخدمة العسكريّة.

وفي قصصه القصيرة التي نالت شهرة واسعة داخل بلاده وخارجها، خصوصا في تركيا وفي ألمانيا وفرنسا، يميل إلى تناول الواقع بطريقة سورياليّة وعبثيّة. لذلك هاجمه نقاد وكتاب من أمثال الروائي المعروف “أفراهام. ب. يوشوا” لأنه “يرفض الانصياع إلى الواقع السياسي الذي تعيشه إسرائيل”. وقدّ ردّ عليهم قائلا: «ماذا عليّ أن أفعل؟ هل عليّ أن أكتب في كتبي بأحرف غليظة: “علينا أن نتفاوض مع الفلسطينيين من أجل السلام”. هذا لا يعني شيئا ولا فائدة ترجى منه. في الأدب أنا أكره هذه الطريقة في الالتزام. أنا من اليسار، ووجهة نظري يمكن أن تفهم من خلال المقالات التي أنشرها في الصحف».

في الرسالة التي أرسلها إلى أتغار خيريت بتاريخ 13 سبتمبر 2014 يشير سيّد قشوع في بدايتها إلى أن الشتاء بدأ يرسل أولى إشارته. لذلك اقتنى هو وعائلته ثيابا “ساخنة”. ويضيف قائلا: «في داخلي، أنا الذي كنت سعيدا بأن أحمل عائلتي بعيدا عن ذلك المكان المرعب الذي هو إسرائيل، وأن أبعدها عن رائحة الدم والبارود، أتفاجأ أحيانا بالإحساس بأنني أتعس مخلوق بين كلّ المخلوقات.

لقد كان رحيلنا صادما. وقد شعرت أنني مهاجر يفرّ بجلده. مع ذلك كنت قد اتخذت القرار بمغادرة البلاد قبل أن تندلع الحرب في غزة. وفي اليوم الذي يخترق فيه الطفل الفلسطيني مواقع إلكترونية حساسة إسرائيلية، في القدس (الرابع من شهر يوليو 2014)، أدركت أنه لن يكون بإمكاني ترك أطفالي يخرجون لوحدهم من البيت».

خيريت يؤكد أن العنف سيظل سيد الموقف


سلام صعب


وفي رسالته يشير سيّد قشوع إلى أن العنصريّة التي بدأت في التصاعد منذ نهايات عام 2000، بلغت راهنا درجة مفزعة. لذلك بدأ يحس طوال الوقت أنه مطارد وملاحق. ورغم أنه في قمة مجده الفني والأدبي، وأن كتبه وبرامجه وأفلامه تشهد نجاحا باهرا فإنه لم يتمكن من أن يحمي نفسه من موجات العنصريّة المتصاعدة يوميّا.

وفي نهاية رسالته، يعبّر سيّد عن خوفه من العيش في الولايات المتحدة الأميركيّة لأنه سينقطع عن الواقع الذي هو المادة الأساسيّة لكلّ ما يكتب. كما أنه سيجد نفسه مجبرا على الكتابة باللغة الأنكليزيّة عوض الكتابة باللغة العبريّة التي يحبّها رغم كل شيء!

وفي رسالته بتاريخ 14 سبتمبر 2014 ، ينصح أتغار خيريت صديقه سيّد قشوع بأن يلجأ إلى الحلم، كأن يتصوّر بأنه بإمكانه أن يحمل حقول الذرة الشاسعة التي تحيط بمدينة “أوربانا” الأميركيّة إلى فلسطين لكي تتسع مستقبلا للجميع، وبذلك يصبح السلام ممكنا بين الفلسطينيين واليهود على أرض لم تعرف إلى حدّ الآن غير العنف والدم والكراهيّة.

وفي نهاية رسالته الثانية إلى سيّد قشوع، يروي أتغار خيريت بأن ابنه قبل أيام قليلة طلب منه ومن والدته عدم الخوض في الحديث عن السلام قائلا إن كلّ الذين عملوا على إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط مثل السادات ورابين قتلوا.

والمغزى من هذه القصة أن الحديث عن السلام لا يزال موضوعا خطيرا حسب أتغار خيريت لأن العنف سيظلّ سيّد الموقف إلى أمد طويل!

14