كاتبة تسرد الألم الفلسطيني وتستعيض عن الحوار بالمناجاة

الجمعة 2014/09/05
للأدب في ظل الحرب مهمة أخرى تتعلق بالغاية من الوجود الإنساني

فلسطين- هل يمكن للأناقة أن تكون حاضرة في ظل واقع مشوّه، وفيه هذا الكم الهائل من الدم والدمار والموت؟ سؤال يحيل إلى قراءة كل واقع في بلد يعاني من كل أنواع التشويه، جراء احتلال بغيض جاثم على أنفاس الطبيعة قبل أنفاس البشر، ويسعى إلى تدمير كلّ مكونات الحياة، في ظل عقلية من التجبر البشري المقيت.

في هذا المقال أحاول أن أوغل في المجموعة القصصية الموسومة بـ”لا شيء يستدعي الأناقة” الصادرة عن “مركز بيت المقدس للأدب”، للكاتبة الفلسطينية منى نعمة الله النابلسي، وهي كاتبة فلسطينية من مواليد القدس 1980، تهتم في كتاباتها بكل ما يتعلق بالعدالة الوطنية والاجتماعية، صدرت لها إضافة إلى الكتاب الذي أسلفنا ذكره، رواية بعنوان “قطع من الفوضى” إضافة إلى ورقة بحثية بعنوان “جودة حياة مرضى الثلاسيميا”.


المعاناة الفلسطينية


تعدد الكاتبة في مجموعتها القصصية “لا شيء يستدعي الأناقة” ملامح من مأساة متجددة مفتوحة بلا أفق يؤدّي إلى حلّ، وجمعت في هذه المجموعة صورا شتى من العذاب الفلسطيني في أرض فلسطين، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، بدءا من النكبة وحتى الانتفاضة الثانية، حيث كان القتل أوضح والدم أكثر عبقا، واللون أشدّ أرجوانية، والمحتل أكبر شهوة للتدمير والإفناء.

رسمت الكاتبة في هذه القصص خمس عشرة لوحة من لوحات المعاناة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى، التي اندلعت بتاريخ 28-9-2000 إثر زيارة “أرئيل شارون” للحرم القدسي، متحديا الجميع في خطوة استفزازية، أدّت إلى اندلاع مواجهات عنيفة، واجه فيهــا الفلسطينيون الجنون الصهيوني.

الجغرافيا الفلسطينية أصابها ما أصاب الإنسان الفلسطيني من مرارة البؤس والقهر

كان الرد أعنف مما يمكن تصوره، فقد اعتقلوا، وأبعدوا، وقتلوا، وهدموا، وحاصروا الجميع، فكانت هذه القصص أقرب إلى شهادات توثيقية على كل تلك المعاناة التي عاشها الناس في فلسطين.

ربما اكتسبت هذه المجموعة القصصية أهميتها من كونها راصدة لمشاهد لغوية تتحرك في مساحة واسعة من المعاناة، مع توفر البعد النفسي القاتم المصاحب للناس في مثل هذه الظروف.

ربما يشعر القارئ بالألم والنار تداهمه من كل صور الإذلال والإفناء اليومي اللذين تعرض لهما الجميع في كافة أنحاء فلسطين، فلم تسلم من ذلك مدينة أو قرية أو مخيم أو حيّ هنا أو حارة هناك. لقد أصاب الجغرافيا الفلسطينية ما أصاب الإنسان الفلسطيني من مرارة البؤس والتشظي والقهر.


الأسلوب القصصي


تغيب في كل تلك القصص الملامح البشرية الخارجية للشخصيات المتحدث عنها، فالفكرة والأحداث يطغيان على الملامح البشرية والإنسانية، وتصبح الشخصيات في الغالب دون أسماء، حتى الشخوص الذين أنعمت عليهم الكاتبة بأسماء، لم يكن ليكون لها معنى حقيقي في بنية السرد، وذلك لأن الحدث والفكرة يسرقان الكاتبة، ويجرانها نحو متابعة المشهد من الخارج في كليته الجارحة، مع الالتفات أحيانا إلى بعض التفاصيل الإنسانية الصغيرة، لتؤكد من خلالها على انعدام كل أوجه الحياة الطبيعية في ظل انتفاضة الأقصى، حتى من فكّر في الاغتسال والالتفات إلى نفسه، فإنه لا يستطيع ذلك، فالمشهد العام، لا يناسب اغتسالا للتخلص من تلك الرائحة، لذلك سيظل “مشروعا للاغتسال”، وكأنه مشروع للحياة الطبيعية.

حضر السارد- المرأة في هذه القصص، وشارك السارد في بطولة معظم القصص، ولم تكن المرأة هنا مجرد كاتبة وناقلة لمشاهد مؤلمة فحسب، لقد حمّلت الحدث واللغة مشاعرها الأنثوية في حالات كثيرة؛ في الولادة والموت، في الاعتقال والحب، في ظل كل هذه الظروف، كما شاركت في رسم المشهد؛ فكانت أختا لشهيد أو معتقل، أو بنتا لهما، أو حبيبة لمعتقل أو مبعد، لقد عاشت في قلب الحدث، واستعدت لتروي وتعيش كل التفاصيل بإنسانيتها ووجهة نظرها.

لغة منى نعمة محمّلة بالشجون الأنثوية، ويغلب عليها الحزن والألم، ويتضخم فيها المعجم المنتمي إلى الحرب والموت والقتل

وظفت الكاتبة في هذه المجموعة كل الضمائر المتاحة في السرد، من ضمير الغائب إلى المتكلم إلى المخاطب، وقد غلب على القصص السرد بضمير المتكلم، فقد كانت 10 قصص منها بضمير المتكلم، وقد حضر المخاطب كثيرا خلال تلك القصص حيث مناجاة السارد المشارك في الأحداث لبعض الشخصيات الغائبة.

وما يلاحظ في هذه القصص كميزة بنيوية عامة هو أنها لا تحتفي بالحوار الخارجي كثيرا، فقد غلب على القصص السرد، وتراجع الحوار كثيرا، وهذا منطقيّ ومبرر فنيا، ففي تلك المشاهد المرسومة في ظل آلة عسكرية لا ترحم، لا يجد الشخوص أو الناس مجالا للحديث، فيتراجع الحوار الخارجي، ليحل محله الحوار الداخلي والمناجاة الروحية، لمن غابوا في السجن، أو تحت التراب، أو في المنافي.

أما اللغة التي صيغت بها تلك القصص فهي لغة محمّلة بالشجون الأنثوية، ويغلب عليها الحزن والألم، ويتضخم فيها المعجم المنتمي إلى الحرب والموت والقتل، فتتراجع اللغة الشاعرية إلا أحيانا في لحظات المناجاة، ومناجاة الحبيب الذي هو غائب دائما، شهيدا كان أو معتقلا أو منفيا، وهنا تصبح اللغة ذات ظلال فيها من الرومانسية والحب والجمال خلافا للغة الأخرى الناقلة دون مواربة للأحداث، ومهما حاول الكاتب من براعة في التصوير، فإن نقل الحدث ببساطة بالغة كما هو أبلغ من كل تصوير بلاغي، قد يساعد على تلاشي الحقيقة بحلكة لونها المرّ.


ألم الحرب


وأخيرا، يحق لنا السؤال المشروع في عالم الإبداع، ما الهدف من تلك المجموعة القصصية؟ لعلّ الغاية التوثيقية ليست هدفا من أهداف الأدب، والأدب الراصد للألم في مثل هذه الظروف ليس شاعريا ورومانسيا، بمعنى أنه لا يبعث على النشوة والمتعة، لا بدّ من أن تكون “للأدب في ظل الحرب” مهمة أخرى، وهي مهمة جليلة، إنها من وجهة نظري تتعلق بالغاية من الوجود الإنساني والحث على الصمود، فلا بدّ للكاتب من أن يشتغل عليها ولا يقتصر على مجرد سرد الأحداث، بل إن سرد الأحداث يوظف من أجل هذه الغاية، وذلك ما يرمي إلى تحقيقه الأدب المقاوم في كل زمان ومكان، وعند كل أمة مبتلاة بالظالمين. فهل كانت هذه القصص عاملا من عوامل بعث الحياة والأمل في نفس القارئ؟

قصص أقرب إلى شهادات توثيقية عن المعاناة التي عاشها الناس في فلسطين

يبدو لي أن هذه القصص في نهاياتها المغلقة الحادة أو المفتوحة على الموت، كان يلزمها التفكير في أمل يُصنع من خلال أحداثها، حتى ينمّي لدى الناس نزعة التحدّي للبقاء والعيش مهما كانت الظروف، وليس فقط الاكتفاء بما هو واقعيّ.

عليكِ مهمة أخرى، هي أن تجعلي الناس يرون الوردة نابتة من بين أنقاض البيوت المهدّمة، وأن تقاوم الطفلة التي ولدت على الحاجز، في شتاء قارس، كل ظروفها العصيبة لتعيش، ناقلة الإحساس بالأمل إلى وجدان القارئ، الذي أرهق بالمشاهد المؤلمة، وإلاّ فكان يكفيه إذن الاستماع لنشرات الأخبار، فإنها أبلغ وأوضح في النقل والتصوير، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه القصص لم تقع في فخّ المباشرة والسطحية.

15